أعزائي الألمان،

نعتذر نحن اللاجئون عن وقاحتنا باقتباس بنود حقوق الإنسان، إذ نسينا أنْ ليس من السهل علينا أن نشارك البيض إنسانيّتهم. كما ونعتذر عن قرقعة حناجر شهدائنا في صفحات الانترنت، فلم تتح لنا الصّدفُ أن نتقن لغة، نموت فيها بلباقة أكثر.

نعم… كما تقول نشرات أخباركم المسائية: إنه لأمر جلل أن تُرفع بوجه حكومتكم أصابعُ الشباب اللاجئين، تلك التي خمشتْ بأظفارها جلد البحر الأبيض المتوسط، هاربةً من أظفار الدكتاتور.

نعم… نحن أبناء المخيمات الفلسطينية، حيث كنا نشاهد بحذر كيف يحرّك أطفالُ أوروبا طائراتها الإلكترونية بلمسةٍ واحدة، بينما يتحدث آباؤنا صباحاً عن قصف الطائرات الإسرائيلية في غزة. كنا أطفالًا وكانت طائراتنا الورقية لا تزال تُبشّرنا بالبحث عن حقنا في العيش، خارج العالم الذي يرمي لاجئيه خلف الأبواب ويغلقها. ثم كبرنا قليلاً، وجاءت طائرات النظام السوري وسرقت مخيمنا، بيوتنا والمدراس والمقاهي، فهاجرنا إلى أوروبا ووجدنا أنفسنا فجأة خلف الباب الذي راقبنا منه يوتوبيا الطفولة. ووجدنا أنفسنا جزءاً من سيناريو الخيال العلمي، الذي اتضح لاحقاً أنه ليس أكثر من دستوبيا بائسة، تلك التي كنا نسدّ آذاننا حين يتحدّث عنها آباؤنا. أحلامنا بعالم حر وعادل، كانت خدعة للهرب من حقيقة أن هذا العالم ليس باستطاعته سوى أن يكون نفسه. أما المدينة الفاضلة فظلت هناك، تؤنس خيال من ظَل تحت سقف الزينكو.

نعم… إنه لأمر جلل أن يحتشد اللاجئون في شوارعكم النظيفة، وأن يتجرأوا على أن يلوّحوا بأعلام فلسطين، ويزعجوا المارة بلغتهم الألمانية الركيكة، وتعلوا أصواتهم بهتافات من شأنها أن تزعج مزاجكم وأنتم جالسون أمام شاشة التلفاز الضخمة آخر المساء. نعتذر عن ذلك، لكن عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال خمسة أيام ارتفع إلى مئة وسبعة وثلاثين، وأنتم – أبناء الحضارة والتقدم والتكنولوجيا – تحبون الأرقام الدقيقة، وتكرهون من يتأخر عن مواعيده، ولا يحترم الأرقام. إنهم مئة وسبعة وثلاثون وجهاً! إنهم مئة وسبعة وثلاثون قلباً. إنهم مئة وسبعة وثلاثون اسماً! إنهم مئة وسبعة وثلاثون حلماً، كُتب على الواحد منهم الموتَ قبل أن يبدأ.

نعتذر عن سذاجتنا ونحن نترجم لكم ما يحدث الآن في بلاد نستها مذكّرات مستعمر متقاعد. لكننا نشعر بالخزي والأسى تجاه الإنسانية، تلك التي تذكرونها في بنود حقوق الإنسان، أننا وبعد ثلاثة وسبعين عاماً من نكبة الفلسطينيين، لا زلنا – ونحن نقف أمام أحفاد المستعمرين – في صدد شرح لماذا على الاحتلال أن يُسمى احتلالاً، وكيف أن جداراً بطول 703 ك لم يكفكم لأن تعترفوا بدولة الفصل العنصرية، ولا حتى أن  تسّموا الأفعال بأسمائها.
“حربُ إبادةٍ عرقية”
ألم تسمّوها كذلك في ألمانيا والنمسا وبولندا قبل ثمانين عاماً؟ لكننا اليوم بعد سبعين سنة من طرد الفلسطينيين من بيوتهم وبيوت آبائهم وأجداد أجدادهم، لم نسمع في نشرة أخبار الثامنة الألمانية خبراً واحداً عن التطهير العرقي الذي مارسه الاحتلال في حي الشيخ جرّاح، ولم تتكبدوا عناء إظهار صور المتظاهرين العزّل، الذين فقأ الرصاص المطّاطي عيونهم وكسّرت عظامهم حوافر الأحصنة. ثم فجأة، بعد أن قامت غزة بأول رد، صرتم تبدأون نشرة الأخبار كل مساء بصواريخ “الإرهابيين” الذين يقتلون الأبرياء.

أرسلنا لكم صور المستوطنين في ليلة الهجوم على الفلسطينيين في حيفا ويافا واللد والرملة وعكا، فأشحتم وجهكم عن القتلة وهم يبحثون عن فلسطيني ليقتلوه وبيت ليحطموه. وأرسلنا لكم أصواتهم وهم ينادون “الموت للعرب”، فصممتم آذانكم عنها كذلك، خوفاً من تذكّر ما فعله النازيون باليهود في ليلة التاسع من نوفمبر، قبل الهولوكوست بثلاث سنوات.

وكل هذا لم يكفكم لأن تسمّوا الأفعال بأسمائها. أشحتم بوجهكم وصممتم آذانكم، كي لا تعترفوا كيف يستبدل الاحتلال الإسرائيلي اليوم أدوار أمس، كقاتل نرجسي، عدوه نفسه، والتاريخ.

أعزائي الألمان……