
استثمار في الخبز أم استخفاف بالمعاناة ؟ أفران آلية ومولات في حمص تثير غضباً شعبياً
في خطوة استفزازية تفتقر لأدنى درجات المسؤولية، أعلنت هيئة الاستثمار في حمص عن مشاريع استثمارية تجمع بين إنشاء أفران آلية “متطورة” ومجمعات تجارية ضخمة (مولات)، في سياق يثير السخرية المريرة بقدر ما يثير الغضب. يأتي هذا الإعلان الصادم بعد فترة وجيزة من إيقاف العمل في فرن الإنشاءات الآلي الحكومي، ليتم تدشين “مول السلام” في موقعه ذاته بحضور محافظ حمص، في دلالة واضحة على الأولويات المقلوبة.
لم تتوقف المهزلة عند هذا الحد، ففي السابع من الشهر الجاري، طرحت الهيئة فرن الوعر الآلي الاحتياطي، الواقع على العقار رقم 192 والتابع لبلدية حمص، للاستثمار كمشروع يضم “فرناً آلياً متطوراً” إلى جانب “ماركت تجاري ضخم”. وقبل هذا الإعلان بيوم واحد فقط، كانت الهيئة قد طرحت عقاراً آخر (تابعاً للأوقاف) للاستثمار بالصيغة ذاتها، وعلى الرغم من عدم ذكر أن الموقع يحتوي على فرن قائم، إلا أن الموقع المشار إليه يتطابق بشكل فاضح مع موقع فرن الوليد قرب مشفى الحارث للعيون.
القاسم المشترك بين هذه المشاريع الثلاثة هو التزاوج الغريب والمستهجن بين وظيفة إنتاج الخبز، كمادة أساسية وحيوية لا غنى عنها، وبين الاستثمار التجاري الباذخ عبر المولات والهايبر ماركت. هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول كيفية التوفيق بين البنية التحتية المعقدة للمخابز الآلية، بما تتطلبه من تجهيزات لوجستية وصناعية دقيقة، وبين طبيعة المراكز التجارية التي تعتمد على بيئة استهلاكية مترفة ومختلفة كلياً من حيث التصميم والاستخدام. إنها محاولة بائسة لخلط الأوراق وتجميل واقع مرير.
في المقابل، أثارت هذه المشاريع موجة عارمة من الغضب والاستياء الشعبي، خاصة في ظل الواقع الخدمي والمعيشي الكارثي الذي تعيشه مدينة حمص ومناطق واسعة من سوريا. فبينما لا تزال أحياء كاملة مدمرة أو شبه مدمرة، ويعاني مئات الآلاف من السكان من عدم القدرة على إعادة ترميم منازلهم أو العودة إليها، في ظل غياب أي خطوات جدية من قبل الدولة لدعم إعادة الإعمار أو تقديم مساعدات كافية للمتضررين، تأتي هذه المشاريع لتصب الزيت على النار.
يرى كثيرون أن توجيه الاستثمارات نحو مشاريع تجارية فاخرة أو مزدوجة الاستخدام، بدلاً من التركيز على إعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتأمين السكن والخدمات الضرورية، يعكس خللاً فادحاً في ترتيب الأولويات وتجاهلاً متعمداً لمعاناة الناس. كما يعتبر البعض أن الجمع بين “الخبز” كمادة أساسية مرتبطة بالأمن الغذائي، و”المولات” كمشاريع استهلاكية ترفيهية، يحمل مفارقة حادة ومقززة في سياق مدينة لا تزال تكافح لتأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وقد عبّر ناشطون ومواطنون عن سخطهم العارم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين أن هذه المشاريع لا تلامس احتياجات الناس الفعلية قيد أنملة، بل تعكس توجهات استثمارية منفصلة تماماً عن الواقع المعيشي للسكان. وفي هذا السياق، تم تداول مقارنات ساخرة تشير إلى أن إنتاج “الكيك” قد يكون أكثر انسجاماً مع أجواء المولات، في استحضار رمزي لعبارة منسوبة تاريخياً إلى الملكة الفرنسية ماري أنطوانيت، في إشارة لاذعة إلى الفجوة الهائلة بين صناع القرار والواقع الشعبي المأساوي.
عامر نوح – خاص – حمص