اتفق وزراء داخلية الولايات الألمانية على ضرورة ترحيل اللاجئين المجرمين والذين يشكلون تهديدات إرهابية خطيرة، إلى سوريا وأفغانستان، وأكد المستشار الألماني أولاف شولتس أن حكومته مستمرة بالدفع في هذا الاتجاه. في حين تقرر تأجيل نتائج دراسة ما يسمى بحل “الدولة الثالثة” لطالبي اللجوء إلى كانون الأول المقبل.

وفي نهاية مؤتمر وزراء الداخلية المنعقد منذ يوم الأربعاء والذي استمر ثلاثة أيام في مدينة بوتسدام شرقي البلاد، وذلك تزامناً مع اجتماع المستشار أولاف شولتس مع رؤساء وزراء الولايات الاتحادية يوم الخميس في برلين، كان هناك إجماع يوم الجمعة على ضرورة ترحيل المجرمين و”الجماعات الإرهابية الخطرة” من اللاجئين إلى أفغانستان وسوريا.

وكانت وزيرة الداخلية الاتحادية نانسي فيزر من (الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، قدمت بالفعل تقريراً عن جهود وزارتها في هذا الصدد يوم الثلاثاء بشأن ترحيل اللاجئين المجرمين والخطيرين، وفيما يتعلق بأفغانستان، أشارت إلى أن “هناك الآن اتصالات مع السلطات في أوزبكستان”. وبالنسبة لسوريا أيضاً أضافت “نحن نتحدث مع الدول المجاورة”.

§

اتفاق على الترحيل إلى سوريا وأفغانستان

§

وفي ختام مؤتمر وزراء الداخلية يوم الجمعة، قالت فيزر إن “المفاوضات جارية بالفعل مع الدول التي يمكن من خلالها تنظيم عمليات الترحيل”. وبما أن ألمانيا لا تربطها حالياً علاقات طالبان في أفغانستان أو مع النظام السوري،  فمن المرجح أن تُنظم عمليات الترحيل هذه عبر دول الجوار. وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.

وأضافت فيزر “بالإضافة إلى توضيح المسائل العملية، فإنه من الضروري أيضاً إعادة تقييم الوضع في سوريا”. وأعربت عن ثقتها في أنها ستتمكن من حل هذه المسألة مع وزيرة الخارجية أنالينا بايربوك من (حزب الخضر) في المستقبل القريب.

ومن ناحية أخرى، أوضحت أن “عمليات الترحيل إلى أفغانستان لا تتطلب إجراء تقييم أمني جديد”. مؤكدة رغبتها في تقديم مسودة للائحة قانونية قريباً من أجل التمكن من ترحيل الأشخاص الذين أدينوا بالتحريض على الكراهية.

 

وتوقع وزير الداخلية في هامبورغ أندي غروته أنه “من الممكن أن تبدأ خلال أسابيع قليلة عملية ترحيل الجناة إلى أفغانستان وأن الحكومة الاتحادية تعد المشروع بتصميم كبير”. وأوضح بعد مؤتمر وزراء الداخلية أن “الحكومة الاتحادية طلبت من الولايات ترشيح أشخاص لهذا الغرض”. ووفقاً له، يوجد حالياً 18 أفغانياً رهن الاحتجاز في هامبورغ وحدها لا يُفترض أن يبقوا في ألمانيا بعد إطلاق سراحهم”.

وفي مؤتمر رؤساء الوزراء الذي انعقد يوم الخميس في برلين، اتفقت الحكومة الاتحادية مع حكومات الولايات أيضاً على ضرورة الترحيل إلى سوريا وأفغانستان، وقد رحبت الولايات الاتحادية بإعلان المستشار الاتحادي أولاف شولتس بهذا الشأن رداً على مقتل شرطي طعناً بالسكين خلال هجوم نفذه لاجئ أفغاني مطلع الشهر الجاري، في مدينة مانهايم.

وأعلن شولتس بعد انتهاء المؤتمر أن “عمليات ترحيل المجرمين الخطرين والذين يشكلون تهديدات، إلى سوريا وأفغانستان قد بدأت، وتُجري وزارة الداخلية الاتحادية حالياً مفاوضات حول هذه المسألة”.

وتنص ورقة القرار المشترك لمؤتمر الولايات الاتحادية على أن “التعاون الوثيق بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات سيكون ضرورياً من أجل التنفيذ الملموس”. ومع ذلك، ما يزال من غير الواضح كيف تعتزم الحكومة الاتحادية إدارة عمليات الترحيل هذه عملياً، إذ لا توجد حالياً أي عمليات ترحيل إلى أفغانستان وسوريا بسبب الوضع الأمني في البلدين.

§

تأجيل حل “البلد الثالث” لطالبي اللجوء

§

وبعد ساعات من النقاشات في برلين بين الحكومة الاتحادية ورؤساء وزراء الولايات، بشأن خطة ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة، لدراسة طلباتهم خارج الاتحاد الأوروبي، والتي يطرحها “الاتحاد المسيحي” ويضغط من أجل تنفيذها، لم تسفر نتائج المؤتمر عن قرارات ملموسة، لكن الحكومة الفيدرالية ترغب في مواصلة دراسة الخطة، وتقديم نتائج بحلول شهر كانون الأول المقبل.

وقال المستشار الاتحادي أولاف شولتس من (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) في وقت متأخر من مساء الخميس “لقد اتفقنا بحزم على مواصلة دراسة العملية وتقديم تقارير حول هذه القضايا في المرة القادمة التي سنلتقي فيها مع رؤساء الوزراء”. ومن المقرر عقد الاجتماع الدوري القادم في 12 كانون الأول المقبل. وفي الوقت نفسه، قلل شولتس من التوقعات بشأن نموذج “الدولة الثالثة، وقدّر أن ذلك لن يؤدي إلا إلى تقليل عدد طالبي اللجوء في ألمانيا ببضعة آلاف.

وبناءً على طلب من الولايات الاتحادية، حصلت وزارة الداخلية الاتحادية خلال الأسابيع والأشهر الماضية على آراء الخبراء حول المتطلبات القانونية والعملية، والتي جرى مناقشتها مع رؤساء الوزراء. وتنص ورقة القرار المشترك لمؤتمر الولايات على أن “الحكومة الاتحادية تعكف الآن على تحليل البيانات المكتوبة التي قدمها الخبراء وستستخلص منها استنتاجات”.

§

انقسام بالآراء

§

وتؤيد الولايات التي يقودها الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي نقل إجراءات اللجوء إلى دول ثالثة – أي دول خارج الاتحاد الأوروبي – من أجل تقليل عدد اللاجئين في ألمانيا. ومن ناحية أخرى، فإن الولايات التي يقودها الحزب الاشتراكي الديمقراطي متشككة وغير راضية.

ويضغط “الاتحاد المسيحي” في ألمانيا الذي يضم حزبي “الاتحاد المسيحي الديمقراطي” والحزب “المسيحي الاجتماعي” منذ فترة طويلة من أجل وضع نظام يخضع بموجبه طالبو اللجوء إما لإجراءات اللجوء في دول العبور في طريقهم إلى أوروبا، أو إرسالهم إلى دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي بعد وصولهم إلى ألمانيا.

 

ومنذ 2022 تحاول المملكة المتحدة تطبيق “نموذج رواندا” ولكنه فشل حتى الآن بسبب مقاومة المحاكم العليا، إذ تريد الحكومة البريطانية المحافظة ردع طالبي اللجوء بقوانين صارمة وترحيل اللاجئين غير المصرح لهم إلى رواندا من دون مراعاة الظروف الشخصية. وفي العام الماضي 2023 وقعت إيطاليا مذكرة تفاهم مع ألبانيا لإنشاء مركزين فيها من أجل استقبال طالبي اللجوء الذين يجرى إنقاذهم في البحر الأبيض المتوسط.

ويشكك شولتس وحزبه “الاشتراكي  الديمقراطي” في كلا النموذجين، فنموذج إيطاليا غير وارد بالنسبة لألمانيا نظراً لاختلاف موقعها الجغرافي، وينطبق الأمر نفسه على النموذج البريطاني، علاوة على ذلك، فإن هذه البلدان معنية فقط بـ 3000 و6000 شخص على التوالي، وهذا لا يتناسب “إلا قليلاً” مع الحجم الذي سيتعين على ألمانيا التعامل معه.

وفي إعلان بروتوكولي، أعربت كل من ولاية بريمن التي يقودها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى جانب ولاية تورينغن عن عدم رضاهما عن الاتفاقات الجديدة التي توصلت إليها الولايات الاتحادية بشأن سياسة الهجرة. وجاء في البيان أن “نقل إجراءات اللجوء إلى دول العبور وبلدان ثالثة لا يمكن أن يضمن إنسانية الإجراءات وسيادة القانون، وبدلاً من نقل اللاجئين إلى دول أخرى للتحقق من اللجوء، يجب مكافحة أسباب الهروب”.

ويشكك حزب الخضر في قرار مواصلة دراسة إمكانية إسناد إجراءات اللجوء إلى دول ثالثة. ووفقاً لزعيم الحزب أوميد نوريبور، فإن الخبراء الذين استشارتهم وزارة الداخلية الاتحادية قد أثبتوا بالفعل بأغلبية كبيرة أن إسناد إجراءات اللجوء إلى بلدان ثالثة سيكون إشكالية من حيث حقوق الإنسان والقانون الدستوري، وقبل كل شيء، لن يكون ممكناً من الناحية العملية.

وقال نوريبور إن “ما نحتاجه هو إجراءات أسرع تستند إلى سيادة القانون والتنفيذ المتسق للقانون المعمول به، مثل إصلاح قانون اللجوء الأوروبي، وليس الحلول الصورية التي فشلت بالفعل في المملكة المتحدة، ولا ينبغي لأحد أن يدعي أن مثل هذه المقترحات ستحل المشاكل الحقيقية، فهذا لن يؤدي إلا إلى خيبة الأمل”.

§

الموافقة على بطاقة الدفع لطالبي اللجوء

§

واتفق رؤساء وزراء الولايات الاتحادية على أن حد المدفوعات النقدية المسموح بسحبه من بطاقة الدفع لطالبي اللجوء هو فقط 50 يورو شهرياً، في حين يُسمح باستخدا باقي المبلغ الباقي الذي يقارب 410 يورو، فقط عن طريق بطاقة الدفع.

وكان المستشار الألماني أولاف شولتس قد اتفق مع حكام الولايات الـ 16 على تطبيق قرار بطاقات الدفع لطالبي اللجوء، وصادق عليه البرلمان، في نيسان الماضي، ويقضي القانون الجديد بمنح طالبي اللجوء بطاقة دفع إلكترونية صالحة فقط في ألمانيا، لتلقي الإعانات على شكل رصيد بدل النقد، وذلك بهدف “منعهم من تحويل الأموال إلى عائلاتهم وأصدقائهم في الخارج، أو إلى المهربين، وكذلك لتقليل حوافز الهجرة غير النظامية إلى ألمانيا”.

 ومع ذلك، ترى رابطة المدن الألمانية أن العديد من الأسئلة لم تجر الإجابة عليها، فليس من الواضح على سبيل المثال على أي مجموعة من الأشخاص يجب أن تنطبق البطاقة؟ وتساءل رئيس رابطة المدن الألمانية وعمدة مدينة مونستر ماركوس ليو، يوم الجمعة “هل تنطبق فقط على طالبي اللجوء في مراكز الإيواء أم على الأشخاص الذين يعيشون بالفعل في شقق خاصة”.

وقال “هل ستكون البطاقة مخصصة فقط لطالبي اللجوء الجدد الذين يصلون إلى ألمانيا أم أنها مخصصة أيضاً للأشخاص الموجودين هنا منذ فترة”. مضيفاً “ما يزال يتعين على الولايات الاتحادية العمل على ذلك حتى تكون قواعد بطاقة الدفع موحدة قدر الإمكان في جميع أنحاء ألمانيا”.

§

مطالبات بإنهاء الحماية الفرعية للاجئين وترحيل حامليها

§

وخلال الأيام الماضية برزت دعوات جديدة من قبل سياسيين في ألمانيا إلى إنهاء وضع الحماية الفرعية للاجئين وإعادة تقييم الوضع في كل من سوريا وأفغانستان وتصنيف بعض المناطق على أنها آمنة، من أجل ترحيل طالبي اللجوء أو حاملي إقامة الحماية ومن لم يُمنح صفة اللجوء إلى تلك المناطق.

 واعتبر وزير الداخلية في ولاية بافاريا يواخيم هيرمان من (الاتحاد المسيحي الاجتماعي المسيحي) أن “منح الحماية للسوريين قد عفا عليه الزمن”. وقال في حديثه إلى صحيفة “دي فيلت” الألمانية، إنه “سيطالب وزارة الخارجية الألمانية بإعادة تقييم الوضع في سوريا بشكل نهائي، وتوضيح مسألة ما إذا كان الناس من جميع أنحاء سوريا ما يزالون بحاجة إلى الحماية على قدم المساواة، ففي النهاية، لقد تغير الوضع بشكل كبير منذ بداية الحرب”.

واستشهد الوزير بتقرير صادر عن وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي (EUAA) في شباط الماضي والذي ذكر أن “محافظتين سوريتين (دمشق وطرطوس) ليس لديهما خطر حقيقي على أن يتأثر أي مدني شخصياً بالعنف العشوائي”.

وأضاف يواكيم “بالنسبة لمناطق مثل دمشق أو طرطوس، يذكر التقرير صراحةً أنه لم يعد هناك خطر حقيقي على حياة المدنيين هناك بشكل عام، ويجب أن يكون لهذا الأمر تأثير على فحص مطالبات الحماية، وهذا سبب إضافي للتساؤل عما إذا كان الحق في الحماية في بلدنا ما يزال مبرراً إذا كان غالبية السوريين الذين يصلون حالياً إلى بلدنا لم يعيشوا في سوريا منذ سنوات”.

كما يرى وزير الداخلية في ولاية براندنبورغ الألمانية، ميشائيل شتوبغن، من حزب (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) أن “حق الإقامة الشامل للسوريين والحظر الكامل على الترحيل قد عفا عليه الزمن”. وقال يوم الأربعاء إن “الوضع في سوريا قد تغير، لم تعد هناك حرب في وسط البلاد”.

§

§

من جهته قال رئيس اتحاد الولايات الألمانية راينهارد زاغر من حزب (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) لشبكة (RND) الإخبارية “يجب تكثيف الجهود بشكل كبير لترحيل الأشخاص الذين لا يتمتعون بحق الإقامة، وخاصة المجرمين بالطبع – بما في ذلك إلى سوريا أو أفغانستان”. ودعا الحكومة الألمانية إلى “إلغاء وضع الحماية الفرعية على المستوى الأوروبي إن أمكن”.

وأضاف أن “الكثير من السوريين يُمنحون وضع الحماية الفرعية، وبالتالي فهم ليسوا لاجئين معترف بهم، وفي حال إلغاء الحماية الفرعية سيكون من الأسهل بكثير ترحيل هؤلاء الأشخاص إلى أوطانهم”.

بدوره، طالب الأمين العام للحزب “الديمقراطي الحر” طالب بترحيل ليس فقط المجرمين إلى سوريا وأفغانستان. وقال الأمين العام دير سراي لقناتي (RTL) و (ntv) إن “الحروب هناك قد انتهت، وبالتالي لم تعد الحماية الفرعية مناسبة”. وكان زعيم “الاتحاد الاجتماعي المسيحي” ورئيس وزراء بافاريا ماركوس زودر قد أدلى بتصريحات مماثلة أيضاً.

وبالمقابل، اعتبرت وزيرة الداخلية الاتحادية نانسي فيزر أن “تنفيذ إصلاح نظام اللجوء في الاتحاد الأوروبي له أولوية قصوى، فهو مفتاح الحد من الهجرة غير النظامية”. ورفضت دعوات إنهاء الحماية الفرعية للأشخاص القادمين من أفغانستان وسوريا. وأضافت أن “الحماية صحيحة لأننا نعلم أن الناس هناك لا يزالون يتعرضون للاضطهاد الشديد”.

§

منظمات تنتقد نموذج “البلد الثالث”

§

وانتقدت منظمة “برو أزول” الألمانية، المعنية بالدفاع عن حقوق اللاجئين، نموذج “الدولة الثالثة” الذي جرت مناقشة إمكانية تطبيقه يوم الخميس، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي للاجئين الذي يوافق 20 حزيران. وقالت في بيان إن “إسناد حماية اللاجئين إلى دول العبور أو دول ثالثة لن يحل التحديات التي تواجهها ألمانيا، بل سيتسبب في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وتكاليف وجهد كبيرين”.

وأضافت أن “الاستعانة بمصادر خارجية لإجراءات اللجوء تؤدي إلى مزيد من مسارات الهروب الخطرة واليأس بين المتضررين وخطر تعرض الأشخاص المحتاجين للحماية للانتهاكات” مطالبة الحكومة الاتحادية بـ “عدم ملاحقة الحلول الوهمية والسعي وراء مثل هذه المقترحات، وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تركز على تعزيز نظام الحماية في ألمانيا وأوروبا”.

وكانت أكثر من 300 منظمة من منظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال حماية اللاجئين قالت في رسالة مفتوحة مشتركة قبل المؤتمر، إننا “309 منظمات ومبادرات، نريد أن نكون جزءاً من مجتمع يرحب باللاجئين بكرامة، وكل من يطلب الحماية في ألمانيا يجب أن يحصل عليها، فطلب اللجوء هو حق من حقوق الإنسان”،

وفي الرسالة التي أطلقتها منظمة برو أزول، ومنظمة أطباء بلا حدود، ومنظمة خبز من أجل العالم، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة دياكوني، وغيرهم، دعت هذه المنظمات المستشار الاتحادي ورؤساء الوزراء إلى رفض مقترحات الاستعانة بمصادر خارجية في إجراءات اللجوء بشكل واضح.