“لن أيأس قبل أن أتعلم ركوبها”، بهذه الكلمات بدأت سناء وصفها لرحلة تعلم الدراجة في هولندا، وأردفت “بكيتُ كثيرا ووقعت كثيراً، لكن في كل مرة كنت أسقط فيها كان يزداد إصراري على التعلّم، أريدُ أن أشعر أنه بإمكاني إنجاز شيء ما بعد أن قضيت عمري كله من دون أيّ إنجازات تُذكر، أريد أن أعتمد على نفسي، ولو لمرة.

وصلت سناء البالغة من العمر 50 عاماً إلى هولندا منذ نحو عام في رحلة محفوفة بالمخاطر ودّعت مدينتها سلمية في حماة وتركت أبناءها الأربعة صحبة والدهم على أمل تأمين حياة أفضل لهم بعد انسداد سبل العيش في سوريا. بالنسبة لها، الدراجة ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل هي رمز للقدرة على التحكم في مصيرها الجديد في هذا البلد البعيد عن وطنها. وعلى الرغم من أنها تعاني من عدة مشكلات صحية ولديها مرض عظمي مزمن في أقدامها فإنها قاومت كل الألم وكانت تلجأ إلى غابة قريبة من مركز اللجوء الذي تقطن فيه لتأخذ راحتها في التدريب بعيدا عن أعين الناس.

 

تُردف بحزن يملؤه العزم “كان فصل الشتاء قاسياً عندما كنت أسقط كنت أبكي وأشعر بحرارة الدموع على خدَّي، تختلط مع مياه الأمطار والثلوج، في تلك اللحظة يغمرني دفءٌ ساحر، وأدركُ أنني سأكون وحدي في الأيام المقبلة، وأن الوحدة على الرغم من قتامتها قد تكون مدخلاً لتحقيق الذات”. تعلّمت سناء ركوب الدراجة بعد عدة أشهر وباتت قادرة على الذهاب إلى مراكز المدن القريبة والتسوّق بنفسها وتشعر بفخر كبير تجاه هذا التفوق الذي حققته وتعدّه خطوة جميلة في حياتها الجديدة الممتلئة بالأحزان والمفاجآت معاً.

تواجه النساء السوريات تحديات فريدة تعكس تجاربهن المعقدة كلاجئات. من بين هذه التحديات، يبرز تحدي التكيّف مع وسائل النقل المحلية، وبالأخص الدراجات الهوائية، التي تعتبر وسيلة النقل الرئيسية في هولندا.

ففي هولندا، يُعتبر ركوب الدراجات جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المحلية، وغالباً ما يُنظر إليه كرمز للاستقلالية والفعالية. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من النساء السوريات، اللواتي قد لا يكن قد ركبن دراجة قط في بلدهن الأصلي بسبب الاختلافات الثقافية أو القيود الاجتماعية، يمكن أن يشكل هذا تحدياً كبيراً. كثير منهن يجدن أنفسهن مضطرات لتعلم ركوب الدراجة ليس فقط كوسيلة للتنقل، ولكن كخطوة ضرورية نحو الاندماج في المجتمع.

؟

إصابات وتحديات في تعلم ركوب الدراجة

؟

إضافة إلى ذلك، تقع العديد من مراكز استقبال اللاجئين في مناطق نائية نسبياً، مما يجعل الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل المتاجر والمستشفيات تحدياً يومياً. هذه العزلة تجبر النساء على الاعتماد على الدراجات لتلبية احتياجاتهن اليومية واحتياجات عائلاتهن، مما يزيد من الضغط عليهن لتعلم وإتقان مهارة قد تبدو للبعض بسيطة، لكنها تحمل في طياتها عقبات متعددة الأبعاد.

؟

قد تكون تجربة سناء الأكثر إلهاماً بين تجارب أخريات والأقل قساوة، فعند الخوض مع نساء سوريات في مراكز اللجوء، وجدنا أن العديد منهن أصبن إصابات فادحة في أثناء تعلمهن المهارة الجديدة.

تقول أم محمد من درعا لتلفزيون سوريا، في أول يوم من شروعي في تعلّم ركوب الدراجة سقطت سقطة قوية، لقد انحدرتُ من الدراجة ووقعتُ على وجهي وكان فخذي قد تحمل كل الوزن من تحتي، كُسر فخذي، وأخبرني الطبيب أنني بحاجة لعملية لأن إمكانية التجبير قد تبدو مستحيلة في حالتي وذلك لأنهم اكتشفوا أنني أعاني من هشاشة عظام حادة، لم أكن أعرف ذلك من قبل، ولكني لم أتفاجأ أيضا، لأن الطعام في سوريا كان قليلا وغير صحي، فضلا عن أنني أمّ لثمانية أولاد.

أم محمد البالغة من العمر 30 عاماً، تعيش حاليا حياة صعبة في أحد مراكز اللجوء الهولندية، كونها مضطرة للمكوث في الفراش ريثما يحين موعد العمل الجراحي، وعلى الرغم من أنها أتت إلى هولندا بطريقة مريحة نوعا ما عن طريق لم الشمل، حيث إن ابنها البكر محمد سافر قبل عامين وأجرى معاملة لم الشمل للأسرة كلّها، فإنها لم تسعد في أيامها الأولى في هولندا، حيث أدت إصابتها إلى نكسة نفسية، وتحاول بناتها، البالغات من العمر ثمانية و10 و14 مساعدتها في التحرّك وإتيان حوائجها، كما أنهن تسلمن مسؤولية المنزل كاملة مع والدهم ريثما تتحسن صحتها، وقد يستغرق ذلك أشهراً عدة إلى سنة وفقَ طبيبها.

 

يبلغ عدد اللاجئين السوريين في هولندا قرابة 100 ألف، نحو ثلثهن من النساء بحسب إحصائيات رسمية، ولم تستطع المرأة السورية الاندماج بشكل جيد في المجتمعات الأوروبية، لأن مسؤولية تربية الأبناء ما تزال تقع على عاتقها.

؟

التوقعات والرومانسية مقابل الواقع الصعب

؟

أم مرح واحدة من السيدات اللواتي وقعن أيضا في أثناء تعلّمهن ركوب الدراجة، تقول لتلفزيون سوريا: كنتُ أرى السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي فرحين جدا بالدراجة في هولندا، كنت أغبطهم، فقد توقعت أن ركوب الدراجة أمر مسلٍّ لم أتوقع أنها مهمة صعبة، لا سيما أنها أصبحت وسيلة النقل الأساسية لنا،  وتردف: لا شك أن الدراجة مُربكة أكثر للنساء والفتيات اللواتي لم يعتدن عليها في سوريا فقد كانت في بلادنا حكراً على الأبناء الصبيان، الدراجة صعبة على بناتنا أيضاً، ابنتي مرح في المرحلة الابتدائية كانت سعيدة بالدراجة أول شهر في هولندا، لكن ما غن اشتدّ فصل الشتاء حتى صارت تكره الذهاب إلى المدرسة عبرها. البرد قارس وأحياناً يتشكّل الجليد وهذا قد يكون خطيراً على الأطفال الذين لم يألفوا ركوب الدراجة والتنقل بها.

وقعت أم مرح أكثر من مرة وأصيبت بعدة رضوض في ركبتيها، اللتين بدَتا تحت البنطال الجينز متورمتَين، ولكنها لا تزال متفائلة بإتقان هذه المهارة والاندماج مع المجتمع، تضيف: ما أزال أذكر أول مرة عندما اعتليتُ الدراجة وهبّت نسمة عليلة على وجهي وشعرت حينئذ أنني تحرّرت من مخاوفي، لكن أظن أن هذا الموضوع بالنسبة لي ولكثيرات لم يكن بالرومانسية التي تخيلناها”.