قهر  و عذاب ألمَ  بالشعب السوري خلال العشرة سنوات التي مضت.. تقطعت فيها أوصاله و تشردت جماعاته … أُسر بكاملها اندثرت  في سورية .. هربوا  بشبابهم و أولادهم  من الاعتقال الظالم الغير مبرر ..هربوا من تشردهم بعد أن أُفرغت أحيائهم من سكانها .. ليجدوا أنفسهم يتجهون  خارج الحدود  بحثاً عن ملاذ آمن  لحياتهم و حياة أولادهم و ربما بحثاً عن لقمة عيشهم .. تركوا وراءهم بيوتاً أحرقتها البراميل و ذكريات محفورة في حفايا قلوبهم و أقارب يتشوقون لعودتهم و أخذوا معهم دموعهم و حزنهم و أمانيهم بالخلاص من هذا الوضع الأليم و تصميمهم على العودة. فالوطن كالأم.. كما هي الأم وطن .

تشردوا هنا و هناك .. منهم من توقف عند دول الجوار و منهم من ابتعد أكثر.. ضاقت بهم السبل فقرروا العودة للعيش على أنقاض بيوتهم راغبين بإعادة بنائها و إصلاحها بما أمكن لهم ذلك لكنهم فوجئوا بمنع دخولهم إلى بلدهم  إلا إذا دفعوا مبلغاً و قدره مائة دولار أمريكي ، و إذا لم يدفعوا.. فإنه يتوجب عليهم الرجوع حيث كانوا أو يبقون خارج الحدود.

نظروا في هوياتهم الشخصية ثم نظروا على لائحة المعابر، هو نفس البلد. ليسوا مخطئين المعبر معبر سورية. و هم سوريون. و هذا مسجل في هوياتهم الشخصية طار صوابهم فماذا يفعلون؟  بل أين يذهبون ؟   بيوتهم في الداخل .أراضيهم، أهاليهم، فهل هذا منطق يتقبله العقل ؟!

كيف يمنعون من دخولهم إلى أوطانهم إلا  بقطع التذكرة ؟  و التذكرة بالعملة الأمريكية فهل هم  داخلون إلى أمريكا مثلاً؟ و من لا يملك التذكرة ماذا يفعل؟

الدولار أصلاً محرم تداوله في سورية و إن  تداوله جريمة تذهب بصاحبها إلى الجحيم . لكن.. أين من يسمع و يفهم ؟

منطق تعجز العقول عن تصديقه .. و من قال أصلاً أن العائد إلى وطنه يملك الدولارات لإنفاقها؟!

ألا يمكن أن يكون العائد قد ضاق ذرعاً بشظف العيش وقرر العودة ليعيش من زراعة أرضه ؟ فهو لا يملك الدولارات إذاً. ومن أين له أن يدفع مائة دولار عن كل فرد من أفراد أسرته التي ممكن أن تكون مؤلفة ما يزيد من عشرة أشخاص مثلاً ؟! أو ربما أكثر.

و هنا نتوقف عند فكرة سمة الخروج من سورية و المعمول بها منذ سنوات طويلة ..لا يسمح لك كمواطن تحمل الجنسية السورية بالخروج إلا بقطع تذكرة خروج ، ليس هناك من يفعل ذلك إلى الحكومة السورية .

مسكين هو المواطن السوري ألا يكفيه ما عاناه من قهر و استبداد طيلة الخمسين عاماً التي مضت ليجد نفسه غريباً حتى في وطنه ؟؟؟

ألا يكفي أن الجنسية السورية أصبحت عاراً على حامليها ؟؟

ليس هناك من دولة تقبل بالسوريين فهل يفرون إلى المريخ ؟؟؟

معروف عن النظام السوري اهتمامه بالمغتربين و تشجيعه لهم بزيارة سورية أو العودة لها لإقامة المشاريع و غيرها و كل ذلك رغبة بالأموال التي ستقبضها الخزينة منهم أو العملات الذي سيصرفونها من منافذ التصريف إما عبر مصارفهم أو من خلال الصرافين المعتمدين من قبلهم يعني بالمشرمحي ” منهم و إليهم و إلى جيوبهم ” لأن الصرافين المسموح لهم بتعاطي الصرافة هم من طرفهم و من أقاربهم و أبناء ملتهم و إلا فإن العمل بالصرافة هي موضع  للمسائلة القانونية و السجن لكل من يعمل بها حتى و لو امتلك المال اللازم لذلك .

و نعود لوضع العائد إلى سورية و هو لا يملك الدولارات فعليه إذاً أن يبقى واقفاً على الحدود و أن  يتصل بأقاربه ليتم تأمين  الدولارات اللازمة لذلك كما صرح وزير المالية و المعنيون بالأمر.  و هنا يجدر السؤال :  كيف لأقارب الداخل إلى سورية  أن يؤمنوا له الدولارات ؟  هذا إن كانت لديهم القدرة المادية على ذلك حتى و لو كان الداخل شخصاً واحداً و ليس أكثر،  فكيف سيتم تأمين الدولارات لأُسر بأكملها ؟ و الدولار ممنوع تداوله أساساً في سورية ، فكيف نناقض النظام نفسه في هذا الطلب؟ ناهيك عن تدني العملة السورية إلى الحضيض. الأمر الذي يصبح معها شراء مبلغ مائة دولار يحتاج إلى رواتب خمسة موظفين من موظفي القطاع العام ممَن لديهم خدمات طويلة و رواتب عالية هكذا مبلغ  تستبدله  الدولة بسعر 50 % من قيمة الدولار عالمياً لتعطيه مقابلها العملة السورية الهزيلة و قد شهدت الحدود السورية اللبنانية العديد من حالات الضياع للسوريين العالقين هناك خلف المنافذ الحدودية حيث البرد القارس و انعدام الأمن و الجوع ( ما بين الحدوديين ) كذلك شهدت  العديد من حالات الوفاة بسبب تلك الظروف ، فما الذي يجبر السوريون على تحمل هذه الظروف ؟ ألا يكفي ما تحملوه من ويلا الحرب؟

 

إن سوء إدارة البلاد هو ما أوصل سورية إلى ما وصلت إليه بعد أن أنفق النظام أمواله في تخريب البلاد و أدخل نفسه في عقوبات اقتصادية نتيجة تصرفاته الرعناء و كل ذلك من أجل البقاء على الكرسي حتى و إن رفض الشعب ذلك .

أخيراً فإن الوطن لا يكبر إلا بأهله و إن عافية سورية لن تعود إلا بعودة أهلها و هم من سيعيدون بنائها .

 

 

 

 

 

 

 

 

مها مراد