سر (المفقودين) في سورية

ليس العهد بمصطلح / مفقود/  جديد في سوريا ، فمنذ عهد الطاغية الأب حافظ الأسد ، و قيامه بتدمير حماة على حين غفلة من العالم،  و في ظل  غياب وسائل التواصل التي لم تكن موجودة وقتها أصلاً في سورية ، و حتى القنوات الفضائية الافتراضية ،و التي كانت تغزو العالم  لم يكن ليسمح لها بالدخول إلى سوريا  إلا بعد عقود من وصولها إلى كل دول العالم .

ومن أجل تضليل الرأي العام العالمي، و إبقاء مستعمرة سورية بعيدة عن أنظار العالم  ، و عما يحدث  بداخلها ، إضافة الى إبقاء الشعب السوري في منأى عن حركات التحرر  في العالم .

 

و بعد انتهاء مجازر حماة،  و  ما أسفر عنه الواقع أصبحت كلمة  (مفقود ) معروفة ، و انتشرت حالات عديدة لسيدات أرامل لم يكن معروفاً فعلاً إذا كن فعلاً بحكم الأرامل أم إن أزواجهن على قيد الحياة .إضافة إلى حالات مفقودين آخرين من النساء والاطفال يحير العقول .

لكن السؤال عن وضع من هو مفقود ممنوع . بل أن مجرد التفكير في الاستقصاء سيؤدي حتماً إلى اختفاء الشخص الباحث عن الحقيقة ، و فنائه هو و عائلته وحتى أبعد قريب من أقاربه و معارفه، بل وكل من تسول له نفسه البحث في جرائم النظام أو البحث عن  الحقيقة .

 

أحداث حماة تعود إلى الواجهة

ومع بداية الحرب في سورية عام 2011 تابع الابن مسيرة أبيه  في الإجرام و القمع، مستعيناً بما تم تكريسه في سورية من فروع الأمن و أجهزة المخابرات التي كانت تحتل ثلثي مقاعد العاملين في الدولة، و معظم ميزانيتها  ، و قد تم إعداد ما يلزم لها من قبل مؤسسات العمران الرسمية لإسكان هؤلاء و عائلاتهم  و تزويدهم بكل ما يلزم من السيارات  ومواد التدفئة  والطبابة وغيرها  ، فقط من أجل إبقائهم في حالة من الجهوزية  التامة ،  من أجل تقديم الدفاع عن النظام  ساعة استدعائهم .

و فعلاً،  ما إن بدأت الحرب في سورية، حتى بدأ هؤلاء الشبيحة بالاستبسال بكل ما يلزم لأجل إبقاء النظام  الذي يعتمدون عليه من أجل بقائهم و  قد ربطوا بقائه على الكرسي سبباً لبقائهم بعد ان كانوا طبقة  فقيره معدمة .

 

بل و تنافس الكثيرون منهم و تبارى في أعمال القتل و التدمير لنيل الجائزة ، ومن يسجل أهدافاً أكثر من القتل و القمع  يحظى برضى النظام و بالمنصب الرفيع في الدولة ،  وكذلك بالوظائف البارزة فيها ، له و لأقاربه لدى مختلف مرافق الدولة . عدا المكافئات المادية  من ما لا يحلم به الموظفون الآخرون في وزارات الدولة المختلفة .

و قد عمت المجازر في كل أنحاء سورية . مجازر نتيجة القصف ، و مجازر نتيجة زرع القناصات المختلفة في مختلف المناطق و الأحياء ، و لاسيما القناصات الأتوماتيكية التي ترصد و تطلق النار على أي شيء يتحرك حتى و لو كانت قطة أو كلب ، فكان ضحيتها الآلاف من البشر الذين تم قنصهم دون أن يتمكن أحد من الوصول لجثثهم التي  تعفنت ، و لم يعرف أصحابها .

و تجدر الإشارة هنا إلى وجود عمليات تصفية لأشخاص من قبل مخابرات النظام و فروع الامن ليسوا متهمين بالقيام بأعمال ضد الدولة أو كما يسميهم النظام السوري بالإرهابيين ، و إنما هم أشخاص عاديون مدنيون يمشون  في الطرقات نساء و اطفال و طلاب مدارس تمت تصفيتهم  دون سبب  سوى الرغبة  في الانتقام و إخلاء المناطق من سكانها .

و هنا تفشل كل جهود البحث عن هؤلاء الأشخاص،  برغم توسيع البحث عنهم ، لتسجل  أسمائهم تحت اسم( مفقود)  ، و قد بلغ عدد الأشخاص المفقودين في سورية حوالي 130000 حسب إحصائيات  الشبكة السورية لحقوق الإنسان ، و ما يزال البحث قائماً على أمل إيجاد هؤلاء المفقودين .

و تطل علينا  واقعة مجزرة التضامن التي حدثت بتاريخ 27 /4/ 2013 ، وقد تم تسريب الفيديو الخاص بها،  لتقدم لنا تفسيرات عن كيفية فقدان هؤلاء المفقودين الذين تم تغييبهم ضمن مقابر  جماعية ، أو تم إحراق جثثهم ، فكيف لذويهم أن يجدوهم برغم الجهود الحثيثة للبحث و المبالغ الطائلة التي يدفعها أهالي المفقود لأشخاص مرتزقة في فروع الأمن المختلفة،  و الذين امتهنوا الظلم و الفساد مصدراً لعيشهم،  و هم يعلمون بأماكن وجود هؤلاء المفقودين طبعاً .

إن منظر قتل و حرق الجثث في مجزرة التضامن التي تم التنويه عنها  قد فتح الباب للحديث عن مجازر كثيرة في منطقة التضامن تحديداً،  و التي كانت مسرحاً  لكثير من الجرائم ، و ذلك نظراً بأن النظام قد زرع بداخله بؤرة من عصاباته في شارع  نسرين  ، وهو حي تكثر فيه المشاجرات وأعمال القتل و التشبيح  ، و يحوي عائلات من مخابرات النظام و مرتزقته ، و التي أوكلت إلى نفسها مهمة اصطياد  الأبرياء من القاطنين في هذا الحي و الأحياء المجاورة،  كالحجر الاسود و مخيمي فلسطين و اليرموك . و حيث يتم اعتقال الناس بشكل عشوائي كلما تم قتل أحد من جماعتهم أثناء الاشتباكات،. فقط من أجل الانتقام،  لدرجة أن أي خلاف يحصل بين أحد أفراد هؤلاء الشبيحة  و أي شخص من غير طائفتهم  ، يكون سبباً في سحب هذا الشخص إلى فروع الأمن و تعذيبه ،  و كأن فروع الأمن تحت تصرفهم .

فإذا كان حي التضامن هذا أحد الأحياء التي شهدت مجازر بسبب ما تم إسكانه فيها من عصابات النظام و أبناء طائفته ،  فكيف الحال بالنسبة لمناطق أخرى في دمشق مثلاً، و التي أصبحت محاطة من جميع مرتفعاتها بأحياء تم تخصيصها لمرتزقة النظام الذين تركوا بيوتهم في محافظاتهم، و قدموا إلى العاصمة من أجل تقديم الدعم له ،  كحي

/ الزهور/ في الهامة،  و حي /86 /في المزة ، و  /عش الورور/ في برزة ،  و غيرهم الكثير من الأحياء مما يصعب حصره .

و كذلك حصل الأمر في المحافظات السورية ،  كحي /بابا عمرو/ في حمص و غيرهم،  و الكثير من المناطق حتى بلغ عددها/  160 /موقعاً تقطنها  أَسر موالي النظام من الطائفة العلوية و عناصر الجيش و المخابرات و الشرطة ،و  قامت باستيلاء على هذه المناطق وتوسعت فيها ، حتى أصبحت مصائد بشرية تذهب بالناس إلى الجحيم   .

وهنا يكمن السر في وضع المفقودين،  فلا هم بمجرمين  تمت إدانتهم بجرم و إنما تم  تغييبهم  بطريقة لا إنسانية ، فقط لغاية انتقامية وبهدف التخلص ما أمكن من الناس  و إخلاء المناطق من سكانها ،  فهل هذه طريقة لحكم البلاد؟

إنه الإرهاب بعينه و ليس كما يدعون أنه مكافحة الإرهاب .