تشهد تركيا صيف عام 2023 الانتخابات الرئاسية. موعد يبدو بعيدا نسبيا، لكن عددا من السياسيين الأتراك يستغلون من الآن ملف اللاجئين السوريين معتمدين على تنامي شعور عام مناوئ لهم. وحتى الرئيس أردوغان قدم مشروعا بهذا الخصوص.

وجد اللاجئون السورين أنفسهم في قلب نقاشات الانتخابات في تركيا. فبين تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان وتصريحات المعارضة وجلّ الأحزاب السياسية، يظهر موضوع اللاجئين السوريين محددا كبيرا في توجهات الناخبين، في بلد شهد مؤخرا عدة تحديات اقتصادية، ساهمت في ارتفاع حدة الخطاب اليميني المناوئ للاجئين.

وحاول الرئيس التركي مؤخراً طمأنة اللاجئين السوريين، متحدثا عن أنه لن يرسلهم أبداً إلى بلادهم بالقوة. وتبنى أردوغان خطابا منفتحا تجاه اللاجئين في بداية الحرب السورية، خصوصاً أن تركيا كانت من الأطراف الفاعلة فيها، وهي على علاقة متوترة للغاية مع النظام السوري، كما دخلت في مواجهات مع وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، فضلاً عن دعمها لتنظيمات مسلحة إسلامية.

ويوجد في تركيا ما يزيد عن 3.6 مليون لاجئ سوري، ما يجعلها أكثر بلدان العالم استقبالا لهم، ولوحدها تحتضن أكثر من نصف اللاجئين السوريين الذين فرّوا خارج بلدهم، والمقدر عددهم بـ5.6 مليون. ويستضيف لبنان حوالي 1.5 مليون لاجئ بمن فيهم من كانوا يعيشون فيه (لبنان) قبل الحرب في بلدهم، ويأتي الأردن في المركز الثالث بعدد مسجلين لدى المفوضية بـ 670 ألفا.

تحريض بحق اللاجئين

من أكثر الشخصيات السياسية التركية التي تركز على موضوع اللاجئين، أوميت أوزداغ، زعيم حزب النصر، وهو حزب قومي متطرف أُسس عام 2021 فقط. لا يفوّت أوزداغ أيّ مناسبة للهجوم على اللاجئين السوريين، مغذيا حملات عنصرية ضدهم.

ووصف السياسي اليميني المتطرف ذات مرة تركيا بأنها “بلد احتله اللاجئون”، ولا يقتصر في الترويج لخطاباته على كتاباته في موقع تويتر أو خطاباته أو لقاءاته مع وسائل الإعلام، بل يخرج إلى المدن التركية ليصوّر اللاجئين السوريين ويدعوهم بشكل واضح إلى العودة إلى بلدهم.

 

لا يفوّت أوميت أوزداغ، زعيم حزب النصر، أيّ فرصة للهجوم على السوريين
لا يفوّت أوميت أوزداغ، زعيم حزب النصر، أيّ فرصة للهجوم على السوريين

 

 

ووصل تحريض هذا السياسي إلى تمويله لفيلم قصير تحريضي خطير ضد اللاجئين تحت عنوان “الغزو الصامت”. وردت السلطات التركية بإعلانها رفع شكوى ضد أوزداغ بسبب المعلومات الخاطئة الواردة في الفيلم الذي انتشر بشكل واسع على منصات التواصل، وتتخلص فكرته في تخيل سيناريو تركيا عام 2034 وكيف “سيتم تدمير مدن كإسطنبول واستيلاء السوريين عليها”.

ليس هذا الحزب اليميني الوحيد الذي يتبنى هذا الخطاب، فحزب الشعب الجمهوري، أحد أقدم الأحزاب التركية، يعد ناخبيه بإعادة اللاجئين السوريين في ظرف عامين، وذلك عبر الصلح مع نظام الأسد وإعادة افتتاح السفارة السورية في أنقرة.

ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر بأحد أعضائه، وهورئيس بلدية بولو، تانجو أوزجان، بالدعوة إلى رفع فواتير المياه الخاصة بالسوريين وتدوير النفايات وكذلك منعهم من الزواج، بل قدم مشروعا في هذا الإطار قبل رفضه من أعضاء آخرين في البلدية.

وتوضح الإجراءات المتخذة في تركيا بحق اللاجئين السوريين نجاح أحزاب المعارضة في دفع السلطات إلى تشديد قبضتها على الملف، فقد أوقفت مؤخراً الموافقات على طلبات اللجوء الموجهة إلى مدينة إسطنبول، كما وضعت مشروعا يمنع السوريين من تقديم طلبات للإقامة في 16 ولاية تركية و800 حيا في 52 ولاية، وذلك لأجل منع تركز اللاجئين في أمكنة معينة.

وتشير تقارير إلى تعامل صارم تركي مع السوريين المخالفين لقوانين الإقامة، بشكل يصل إلى الترحيل إلى سوريا في حال مخالفات بسيطة، وفي أخف الأحوال الترحيل إلى الولايات التي سُجلوا فيها لأول مرة في حالة خروجهم منها، كما ذكرت تقارير أن السلطات منعت عودة السوريين الذين زاور بلدهم خلال عطلة العيد.

أردوغان ومشروع العودة الطوعية 

لكن أردوغان بدوره لا يعارض بشكل مطلق مغادرة السوريين، وصرّح بداية هذا الشهر، أن أنقرة تعدّ مشروعا جديدا بتنسيق مع منظمات غير حكومية، سيتيح عودة طوعية لما يصل إلى مليون لاجئ سوري. ويركز الرئيس التركي على فكرة العودة الطوعية لتأكيد أن السلطات التركية لن تنهج عملية طرد للسوريين المقيمين على أراضيها.

ويعول حزب العدالة والتنمية على المناطق الواقعة تحت السيطرة التركية في الشمال السوري لإعادة اللاجئين. وأكد أردوغان وجود خطط لبناء آلاف الوحدات السكنية في هذه المناطق، وأكد أن التمويل ستتولاه مؤسسات تركية ودولية.

وتستفيد تركيا من دعم مالي كبير من الاتحاد الأوروبي لدعم اللاجئين السوريين في ظل اتفاق بين الجانبين، تساهم من خلاله أنقرة بتقليل تدفق اللاجئين على الحدود الأوروبية. وقد يكون للأموال الأوروبية نصيب في المشروع الجديد الذي أعلنه أردوغان، إلى جانب دول خليجية خصوصا في ظلّ تحسن العلاقة بين تركيا وهذه الدول في الأشهر الأخيرة.

ورغم فوزه إجمالا في العديد من البلديات على الصعيد الوطني، خسر العدالة والتنمية عام 2019 عدة مدن في الانتخابات البلدية، أهمها بلديتا إسطنبول وأنقرة. وأرجع مراقبون التراجع إلى أسباب منها استغلال الأحزاب المعارضة لملف اللاجئين السوريين، ومحاولتهم ربط المشاكل الاقتصادية للبلد باللاجئين، وادعاء أن أنقرة هي من تتحمل لوحدها مصاريف لجوء السوريين، مقابل تجاهل مبالغ الدعم الكبيرة المقدمة من الاتحاد الأوروبي.

 

 

هل بدأ أردوغان تغيير سياسته الخاصة باللاجئين خوفا من خسارة الانتخابات المقبلة؟
هل بدأ أردوغان تغيير سياسته الخاصة باللاجئين خوفا من خسارة الانتخابات المقبلة؟

 

 

 

استغلال مناخ مناوئ للاجئين

تجاوز التحريض ضد اللاجئين الحياة السياسية ليصل إلى الحياة العامة. ووثقت الكاميرات في أنقرة عام 2021 أعمال شغب وهجوم على الكثير من المحلات التجارية التي يديرها سوريون ورمي المنازل التي يقطنونها بالحجارة، على خلفية شجار بين مجموعتين سورية وتركية أدى إلى مقتل شاب تركي طعنا.

وشرعت أنقرة في إجراءات ترحيل 45 سوريا بعد مشاركتهم في “منشورات استفزازية”، وذلك بنشر صور لهم يأكلون الموز، تفاعلا مع مقطع فيديو منتشر لشخصيين تركيين انتقدا استمتاع طالبة سورية بالحياة في إسطنبول وأكلها الموز “بينما يعاني الأتراك لتغطية نفقاتهم”.

وبين استطلاع أجرته جامعة “قادر هاس” التركية، أن نسبة الرافضين لوجود اللاجئين السوريين في البلد تصل إلى 67 بالمئة عام 2019، في ارتفاع بـ10 بالمئة عن نسبة استطلاع مشابه عام 2016.

وحتى الكتلة الناخبة لحزب العدالة والتنمية لم تعد ترحب كثيرا باللاجئين السوريين، وأكدت نسبة 46.6 بالمئة منهم أن على السوريين العودة إلى بلادهم، في استطلاع رأي أجرته مؤسسة الديمقراطية الاجتماعية التركية.

 

 

 

 

 

 

 

ع.ا/ أ.ح