مرت السنوات العشر الأخيرة على السوريين كأنها كابوس طويل لا ينتهي، وخرجت من هذه المأساة فيديوهات عديدة تروي بعض جوانبها الرهيبة لشعب رفع صوته في وجه الطغيان، فواجه آلة عنف طحنت أحلامه وقتلت أبناءه وبناته في مجزرة مستمرة، ما زالت حقائقها تتكشف شيئاً فشيئاً. ولكن مأساة المغيّبين قسرياً ظلت الأفظع والأكثر إيلاماً لأنها في الخفاء، ولأن ما تسرب منها لا يمكن أن يستوعبه عقل، ولأن صور قيصر المسربة حولت هذا الكابوس المرعب إلى حقيقة مروعة.

على مر السنوات الأخيرة، لا أعرف سورياً -موالياً كان أم معارضاً- لا يعرف شخصاً معتقلاً. فسلاح الاعتقال كان وما زال مسلطاً على رقاب السوريين. وقد تنوعت القصص التي نسمعها والتي تصف معاناة عائلات المعتقلين، والتي ترسم طيفاً من حكايات نسج الأمل والتشبث بحلم عودة تبدو مستحيلة لكل أولئك الذين ابتلعهم الوحش.

سمعت يوماً عن امرأة باعت منزلها لتعطي ثمنه لسمسار ادعى معرفة أخبار عن ابنها المغيب قسرياً، وبعد أن بقي لها من حياتها حقيبة سفر، سرق السمسار النقود ولم يخبرها بشيء. سمعت أيضاً حكاية أم فٌقد ابنها منذ أحد عشر عاماً فقلبت صور قيصر المسربة صورة صورة بحثاً عنه ولم تجده. سمعت عن عائلات رفضت الخروج من سوريا رغم التضييق الشديد على أمل خروج أحد أفرادها من المعتقل. سمعت عن صديق شاهد فيديو لمعتقلين محررين فظن أنه رأى والده بينهم ولكنه اكتشف لاحقاً أنها كانت أمنية قلبه. سمعت قصة الأم التي استلمت هوية ابنها واحتفظت بالخبر لنفسها عاماً كاملاً كي لا تقتل أمل إخوته بلقائه.

 التقيت بأشخاص كثر في أوروبا يعيشون في انتظار دائم، تجلس معهم إلى طاولة الطعام، فيقولون: “هذه أكلة أخي المفضلة” أو زوجي كان يحب هذه الفاكهة، أو هذا طبق أختي المحبب. ويمضغون اللقمة التي تعلق في حلوقهم.

شهدت مظاهرات وتجمعات، تحضر فيها عائلات تحمل صور أحبابها المغيبين وتعيد رواية حكاياتهم وكأنها تخشى عليهم من النسيان.

تذكرت تلك القصص وأنا أشاهد الصور التي خرجت من مدينة دمشق ومن صيدنايا لعائلات يائسة تنتظر، وفكرت في آلة العنف الرهيبة التي جعلت كل هؤلاء ينتظرون ويتألمون بصمت لسنوات حتى نسي العالم وجودهم. تختصر صورة معتقل محرر يبدو على وجهه الذهول وعائلات حوله حاملة صور أبنائها، عله يتعرف إليهم. إنها حالة هذا البلد الرهيب، حيث لا قوائم ولا أسماء ولا حقائق، وحيث الإخفاء والتسريب هو القاعدة، وحيث تزدهر الإشاعات التي تتلاعب بآمال المنتظرين.

منذ أيام، التقى الآلاف من كل أنحاء البلاد، وانتظروا وصول باصات تنقل عشرات من المعتقلين، ترميهم في الطريق فيركض المنتظرون للقائهم، فيخيب أمل آلاف منهم. ومع ذلك، فإن عودة معتقل واحد تكفي لإذكاء شعلة الأمل بأن ما جرى مع آخرين يمكن أن يكون في المرة القادمة من نصيب أحد المنتظرين.

تذكرت القصص الرهيبة عن المعتقلين في فترة الثمانينيات في عهد الأسد الأب، وفكرت أن هذا الكابوس ليس وليد مشهد البارحة، بل لعله يعود إلى عقود من القهر والعنف اللذين لا يزالان يحكمان إيقاع حياتنا اليومية، داخل بلدنا المرعب وخارجه. فعائلتي نفسها فقدت ابن عم في المعتقلات وعاد منها آخر مولوداً من جديد بعد ستة عشر عاماً من الاعتقال والتغييب القسري في سجن تدمر الرهيب.

تذكرت أيضاً سنوات الثورة الأولى، عندما كان أصدقائي يعتقلون بالجملة، وما إن يخرج أحدهم حتى يعتقل ثلاثة آخرين، بعضهم عاد، والبعض الآخر ابتلعته السجون دون أن نعلم عنه شيئاً، بعضهم نجح بالتعافي من التجربة والبعض الآخر ما زال يواجه كوابيسه يوماً بعد يوم.

أحب أن أخبر من يسألني عن سبب اختياري لمهنة الإخراج أنني أرغب في أن أكون صوت من لا صوت له، ولكنني في المقابل منذ بداية الثورة أفكر في موضوع الاعتقال في سوريا. المشكلة الحقيقية في تقديم حكاية المعتقلات السورية أنها تفوق احتمال أي مشاهد، وأن العاملين في السينما لا يستطيعون إعادة إنتاج عالم ديستوبي مماثل، فمن ذاك القادر على مشاهدة الجحيم على الشاشة؟ عملنا لمدة أعوام على مشاريع متعددة خرج أحدها للنور وما زال بعضها قيد الإنجاز. لكن الفن الدرامي عاجز فعلاً عن تصوير حقيقة هذه التجربة المريعة.