ما بين تعلم اللغة والبحث عن مسكن مناسب، ومعادلة الشهادات والخبرة المهنية، يجد اللاجئون أنفسهم غير قادرين على الاندماج في سوق العمل الفرنسي، في ظل محاولات السلطات وأرباب العمل التكاتف لإيجاد حلول. مقابلة مع جان كريستوف دومون، رئيس قسم الهجرة الدولية في منظمة التعاون الاقتصادي.

غالبا ما ترتبط صورة اللاجئ بكونه عاطلاً عن العمل، على الرغم من كل المحاولات والمبادرات لدمجهم في سوق العمل، التي تتبناها مختلف الأطراف، سواء من الدولة وأرباب العمل أو من اللاجئين أنفسهم.

وفي هذا السياق، عقدت وكالة الأمم المتحدة للاجئين اجتماعاً في غرفة التجارة والصناعة باريس، في 22 حزيران/يونيو الجاري، ضم جمهورا من صناع القرار وأرباب العمل، ومن الملفات الرئيسية التي طرحت على الطاولة كان اندماج اللاجئين في سوق العمل، في وقت تواجه فيه فرنسا نقصا في القوى العاملة.

وقالت إيزابيل جيوردانو، المندوبة العامة لمؤسسة “BNP Paribas”، البنك الذي أنفق 17 مليون يورو لتسهيل “الاندماج”، إنه “علينا أن نتحرك أكثر ونبذل جهداً أكبر”. وقالت أوديل مينيتو، التي مثلت منظمة “حركة الشركات الفرنسية” (Medef) في ذلك اليوم، إن الشركات لديها “كل الاهتمام بالبحث عن مجموعات جديدة لاستهدافها في عمليات التوظيف، واللاجئون فئة متاحة”. وتابعت أنه “إذا كان يُنظر منذ فترة طويلة إلى توظيف لاجئ على أنه عمل تضامني، يجب الآن أن يؤخذ في الاعتبار كسياسة توظيف”.

 

أكثر 10 مهن يتم توظيف موظفيين جدد فيها في فرنسا. المصدر: Pôle Emploi
أكثر 10 مهن يتم توظيف موظفيين جدد فيها في فرنسا. المصدر: Pôle Emploi

 

 

ووفقا لمسح “احتياجات سوق العمل” الذي أجرته هيئة مكتب العمل “Pôle emploi”، من المقرر أن يتم إجراء أكثر من ثلاثة ملايين عملية توظيف في عام 2022، بزيادة قدرها 12% مقارنة بعام 2021.

على سبيل المقارنة، منح المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية “Ofpra” ومحكمة “CNDA”، وضع الحماية لحوالي 54,094 شخصا في فرنسا عام 2021، وفقا لأرقام المديرية العامة للأجانب في فرنسا (DGEF). الغالبية العظمى منهم لا يستطيعون الوصول إلى سوق العمل، وهم غارقون في صعوبات لوجستية ومادية.

مقابلة مع جان كريستوف دومون، رئيس قسم الهجرة الدولية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE).

 

ما هو متوسط ​المدة الزمنية حاليا التي يحتاجها اللاجئ للعثور على عمل؟

 

جان كريستوف دومون: وفقا للبيانات المتاحة، نرى أن الأمر يستغرق 10 سنوات حتى يتم توظيف نصف اللاجئين في أوروبا. لكن علينا الحذر عند التعاطي مع هذه المعلومة، فعندما نقول “موظف”، فهذا لا يعني بالضرورة أن الشخص قد حصل على عقد عمل دائم. يمكن أن يكون أي نوع من الوظائف، حتى فرص العمل غير المستقرة. بصيغة أخرى، بعد 10 سنوات من وصول مجموعة من اللاجئين إلى أوروبا، يجد نصفهم فقط عملاً. إنها رحلة طويلة جدا.

لماذا يستغرق الأمر كل هذا الوقت الطويل؟ ما هي العقبات التي يواجهونها؟

 

جان كريستوف دومون: هناك العديد من العوامل التي تؤثر في هذه العملية. المستفيد من الحماية الدولية، بحكم التعريف، يعاني من صدمة. اضطر إلى الفرار من بلده دون سابق إنذار، دون أن يكون قادرا على التخطيط لأي شيء، وأحيانا حتى بدون أوراقه الرسمية. كل هذا يزعزع استقراره ويجعله عرضة للخطر. كما أن التسرع في المغادرة لا يؤدي إلى اندماج جيد في البلد الوجهة، والذي لا يملك الشخص الوقت للاستعداد له.

لذلك يمكن للاجئين الوصول إلى فرنسا دون إتقان اللغة أو فهم طبيعة البلد. وهم لا يعرفون بالضرورة سوق العمل، أو كيفية إجراء مقابلة العمل أو دور المؤسسات المختلفة. ويمكن أن يجدوا أنفسهم معزولين تماماً.

نقطة إشكالية أخرى: حتى إذا كان اللاجئ قادرا على أخذ أوراقه وشهاداته الأكاديمية معه، فهناك خطر أن يشك صاحب العمل (الفرنسي) في صلاحيتها (يجب أن تخضع الشهادات الصادرة من خارج الاتحاد الأوروبي لفحص إداري حتى يتم الاعتراف بها على أنها مطابقة للمعايير الفرنسية).

لا يزال العثور على وظيفة دون تحدث اللغة الفرنسية جيدا، ودون شهادات معترف بها، يمثل تحديا حقيقياً للاجئين.

هناك أيضا صعوبات تتعلق بالموقع الجغرافي. يستقر الكثير من اللاجئين في منطقة باريس، وبالتالي، يوجد هناك الكثير من المنافسة في هذا المجال. وذلك على الرغم من أن سوق العمل في باريس يقدم الكثير من الفرص المتاحة، وأنها ليست أكثر منطقة تعاني اقتصادياً في فرنسا.

 

بشكل ملموس، ما الذي يمكن عمله لتعزيز عملية الاندماج هذه؟

 

جان كريستوف دومون: لقد تم بالفعل تنفيذ العديد من الخطوات في هذا الاتجاه. هذا العام، تم إطلاق برنامج “AGIR”، المخصص لموضوع الاندماج المهني (ويهدف إلى تنظيم دعم التوظيف والإسكان للمستفيدين من الحماية الدولية).

يجب أن نبدأ برؤية نتائج التغييرات التي تم إجراؤها على عقد الاندماج الجمهوري (CIR

) منذ عام 2018. على وجه الخصوص، تم مضاعفة ساعات التدريب اللغوي الممنوح للاجئين، من 200 إلى 400 ساعة. واعتمادا على الملفات الشخصية، يمكن أن يصل ذلك إلى 600 ساعة. هذا التغيير أساسي لأن اللغة تظل شرطا مسبقا للاندماج في سوق العمل.

هناك أيضا تطورات ملحوظة في التعاون بين المكتب الفرنسي للهجرة والاندماج (Ofii) وهيئة مكتب العمل (Pôle Emploi)، حيث شرعت الجهتان بالتنسيق استجابة للأزمة الأوكرانية، لمساعدة هؤلاء اللاجئين في العثور على عمل بسرعة. نأمل أن يستفيد باقي اللاجئين من هذا التعاون وليس فقط الأوكرانيين.

الاندماج هو عملية متكاملة، ما بين اكتساب اللغة والعثور على مسكن مناسب وغيرها. وذلك لا يحدث بين عشية وضحاها. قد تكون هناك صعوبات وانتكاسات وفقدان للعمل. علينا أن نرافق هؤلاء الأشخاص طوال هذه الفترة وأن نحاول تفهمهم. بالنسبة للشركات والسلطات العامة، إنه ماراثون طويل، وليس أمرا يمكن تحقيقه سريعا.

 

ماذا عن الاعتراف بالشهادات الأجنبية؟ هل تم اتخاذ تدابير في هذا الصدد؟

جان كريستوف دومون: هذه هي المشكلة التي لا نملك لها حلاً حتى الآن. إن فرنسا غير مجهزة بشكل كاف من حيث الاعتراف بالشهادات الأجنبية والتحقق من المهارات والخبرة المهنية. لم يتم عمل أي شيء حتى الآن، على الرغم من أن السلطات تعي جيداً وجود هذه المشكلة.

إنه لأمر مخز، لأن أولئك الذين حصلوا على وضع اللاجئ هم أشخاص غالبا ما يكون لديهم دافع كبير لإعادة بناء حياتهم. عندما يتمكنون من دخول سوق العمل، فإنهم يتمتعون بإمكانيات كبيرة ولديهم رغبة قوية في التعلم والاستقلال بسرعة. وهم بعيدون كل البعد عن الاستسلام للبقاء في حالة حاجة دائمة. عندما يكون سوق العمل مغلقا جدا بالنسبة لهم، يتجه بعضهم إلى الأعمال الحرة، وبناء على ما رأيناه في بلدان أوروبية مختلفة، فإنهم غالباً ما ينجحون بطريقة مثالية.