توفي في دمشق المخرج والكاتب المسرحي السوري “غسان جباعي” عن عمر ناهز السبعين عاما بعد مسيرة حافلة عاش فيها نحو 40 عاماً ممنوعاً من السفر والعرض والعمل، رحباً بحريته التي لم يتخلَ عنها. وكان أحدث أعماله التي تناولت هاجس الحرية “المسرح في حضرة العتمة” ليترك عتمة في غيابه وحسرة في قلوب محبيه وأصدقائه وعاشقي أعماله.

ونعت “رابطة الكتاب السوريين” الكاتب الذي وافته المنية البارحة في دمشق التي لم يغادرها منذ خروجه من المعتقل وقضى فيه قرابة عقد كامل، تنقّل فيه بين سجون النظام الذي احتجزه بتهمة الانتماء إلى حزب البعث الديموقراطي المعارض.

وعمل الراحل لفترة مدرساً في المعهد العالي للفنون المسرحية، وأخرج للمسرح القومي مسرحيات عدة واجه خلالها بيروقراطية المؤسسة الثقافية السورية ومزاجيات الرقابة القبيحة، وشارك ممثلاً في عدد من الأعمال السينمائية.

 

 

كما شارك الراحل في العمل الثقافي الداعم لنضال السوريين في سبيل حريتهم من دمشق، وبقي حاضراً في كل تفاصيل الحدث السوري.

وكان أحد رموزه خلال السنوات الماضية.

ولد “الجباعي” المنحدر من محافظة السويداء في قطنا عام 1952، وتخصص بالأدب العربي، ثم اشتغل في المسرح ممثلاً ومخرجًا، ثم مدرسًا في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق لمادتي التمثيل ومبادئ الإخراج والمختبر المسرحي.

كذلك درَس في معهد كاربينكا كاري الحكومي في مدينة كييف من العام 1975 ولغاية العام 1981م وحصل في العام 1981م على شهادة ماجستير في الإخراج المسرحي.

بعد ذلك عاد إلى سورية، حيث اعتقله النظام في نهاية العام 1982م ولغاية 1991م بتهمة الانتماء لحزب البعث الديمقراطي وتم زجه في سجن تدمر مع ثلة من خيرة الأدباء والمبدعين السوريين. ومنع من التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية أكثر من مرة، كما منع من ممارسة عمله كمخرج. ومن السفر أيضاً.

كتب في المسرح نصوصا ودراسات، كما كتب الرواية، وكتب كتابا عن العلاقة بين الثقافة والاستبداد، وأخرج الكثير من العروض المسرحية، التي منع بعضها من العرض، كذلك له في للدراما التلفزيوينة العديد من الأعمال منها:

ومن أعماله المطبوعة مجموعة قصصية بعنوان “أصابع الموز” (1994)، ومجموعة “ثلاث مسرحيات” (1995)، و”وحل” (1999)، وديوان شعري بعنوان “رغوة الكلام” (2011)، وبعد قيام الثورة السورية نشر روايات “قهوة الجنرال” (2014)، و”المطخ” (2018)، و”قمل العانة” (2020).

إضافة إلى كتب “الثقافة والاستبداد” (2015)، و”الفن والثورة السورية” (2016).

ونعى عدد من أصدقاء جباعي صديقهم المبدع الذي لم يتخلْ عن مبادئه وإيمانه بالحربة والكرامة وجراء هذه المواقف دفع سنوات من حياته في زنازين سجن تدمر العسكري سيء الصيت.

وعلقت المخرجة “هالة محمد” التي أنجزت فيلم “رحلة في الذاكرة” الذي يتحدث عن عدد من المعتقلين السابقين في سجون النظام ومنهم الراحل جباعي: “وداعاً الصديق الجسور الراقي العميق غسان جباعي . لن أنسى ما حييت فترة التحضير والتصوير وما بعد الفيلم حتى اللحظة … انتباهكَ ولطفك وجذريتك في مقاربة الحرية من أجل الجَمال”.

وأردفت المخرجة السورية مخاطبة روح الراحل:”تمسكك الجذري بالمواطنة والسعادة ورفضك الجذري للطاغية ولثقافة البربرية والفساد والظلم والبشاعة وحبك اللامحدود لسوريا وعمق معناها في أفئدتنا”.

وعقب المخرج هيثم حقي: “لا يمكن أن تنسى صدق وإنسانية اللحظة وهو يحكي كيف عاش سنين طوال مع رفاقه قسوة ماعاناه السوريون الذين خرجوا ضد الظلم الذي تعرضوا له مع العديد ممن ينتظرون العدالة… ولتعيش معه ألم السوريين الذين خطف السجن سنوات طويلة ومؤلمة من شبابهم”.

آخر صورة له مع زوجته

وعلق “مازن عدي”: “بكرت الرحيل الصديق الغالي ..ابتسامتك لم تفارقك ودأبك على العمل والإبداع والنشاط لم يتوقف ..شجاعتك وعشقك للحرية ليس لهما حدود الوطن يفجع بأمثالك أيها النبيل”.

وقال صديق الراحل ورفيق زنزانته الشاعر “فرج بيرقدار” المخرج والكاتب غسان جباعي صديق محنة السجن والكتابة وسوريا يرحل”.

واستدرك :”جمال ضحكته الذي ترونه في الصورة يرحل يا وجع القلب يا غسان.. عساك رحلت إلى عالم أفضل يا صاحبي وحبيبي”.

وعلق “جمال الشوفي” على رحيل ابن مدينته: “ليس المسرح في حضرة العتمة وفقط يا غسان … بل نبض الحياة أيضا … واستطرد :”لك فضاء الكون واتساعه يا غسان لروحك الرحمة والسلام”.

وقال المؤرخ سلمان البدعيش مخاطباً جباعي :” كنت عنيدا في حبك للوطن ،لم تساوم على قناعاتك،ولم تحد عن استقامتك” .

زمان الوصل