انقضت أزمة الطحين في لبنان وعادت الأفران إلى تسليم زبائنها مادة الخبز بانتظام، لكن آثار أسبوع انقطاع الطحين (نهاية تموز/يوليو الماضي) مازالت ماثلة بأذهان ضحاياها. لاجئون وعمال مهاجرون وحتى مقيمين أجانب، جميعهم كانوا ضحايا لموجة فوبيا نقص الخبز. حوادث عنيفة وممارسات تمييزية تحتاج لفترات طويلة لتمحى من أذهان من تعرضوا لها.

“قبل يومين وصلتني رسالة الموافقة، من المفترض أن نستقل الطائرة خلال الأسابيع القليلة المقبلة”، بابتسامة عريضة وصوت تعلوه نغمة غبطة، قالها هيثم كمن ربح جائزة اللوتو الكبرى. “بعت السيارة والدراجة وأبلغت صاحبة المنزل قبل ثلاثة أشهر بأننا سنغادر. حتى أنني قلت لمدرسة أطفالي بأنهم قد يضطرون لمغادرة مقاعد الدراسة اضطراريا خلال الأيام القادمة”.

هبة، معلمة مدرسة ووالدة لطفل واحد، قررت بدورها أن الهجرة هي الطريق الوحيد المتاح أمامهما وأمام عائلتها. “لم يعد بإمكاني تحمل الحياة هنا. هناك تحد كبير أمام أي مهمة تريد إنجازها في هذا البلد. حتى شراء المياه بات تحد إن نجحت فيه ستعتبر نفسك بطل العائلة المفضل. ما من شيء مؤكد في هذا البلد سوى الموت وضياع الفرص”.

المشترك بين الحالتين السابقتين، وأحد الأسباب الرئيسية وراء قرارهما بالهجرة، كان ارتفاع نسب العنصرية في البلد الذي اعتبر في الماضي القريب ملاذا للاجئين والهاربين من القمع والحروب.

هبة وهيثم، تحدثا عن أزمة اندلعت قبل نحو ثلاثة أسابيع، حين انتشرت أخبار على وسائل الإعلام ووسائل التواصل تفيد بانقطاع مادة الطحين الضرورية لصنع الخبز، أساس مائدة الطبقة الفقيرة.

انتشرت طوابير الناس أمام المخابز وعلت الأصوات المطالبة بتأمين لقمة عيش الفقراء. الأزمة اشتدت وبدأت بأخذ مناح عنيفة مع تفجر الغضب الشعبي ومهاجمة بعض الأفران، التي اتهمت بتخبئة الطحين والمتاجرة به بالسوق السوداء. ساعات قليلة وتحولت الموجة إلى خطاب كراهية ضد اللاجئين، مجموعات على وسائل التواصل، ومسؤولون سياسيون في بعض الأحيان، اتهموا اللاجئين بالمسؤولية عن أزمة الطحين، وبأنهم يشترون كميات تفيض عن حاجتهم إما لتهريبها لسوريا أو لبيعها في السوق السوداء.

قرارات صبت الزيت على النار

ساعات قليلة وامتلأت صفحات التواصل اللبنانية بالتعليقات المحرضة على اللاجئين، معظمها كان يدعوا “لطردهم” إلى سوريا، آخرون طالبوا بحرمانهم من الخبز. لاحقا انتشرت فيديوهات توثق حالات اعتداءات جسدية عنيفة على أشخاص، قيل إنهم سوريون، كانوا يحملون الخبز. أحد الفيديوهات أظهر مجموعة من الشبان تعتدي على مراهق وتسلبه كيس خبز كان يحمله.

قرارات السلطات في حينه لم تسهم بخفض التوتر، على العكس، حيث قال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إن “معظم ربطات الخبز التي يجرى إنتاجها تذهب لغير اللبنانيين والجميع يعلم ذلك”.

عدة محافظات وبلديات لبنانية اتخذت خطوات عملية رفعت أيضا من مستويات التوتر في حينه، حيث شجعت على إعطاء الأولوية للبنانيين حصرا لشراء الخبز، في محاولة منها على ما يبدو لامتصاص غضب الشارع. لكن النتائج كانت مأساوية، حيث سجلت في عدة مناطق قيام شبان بتنظيم الصفوف أمام المخابز ومنع غير اللبنانيين من الحصول عليه.

“هل علينا دفع فاتورة انهيار البلد لأننا الأضعف؟”

حسن، لاجئ سوري وأب لأربعة أطفال، يقيم في بيروت منذ نحو أربعة أعوام. مازالت أحداث تلك الفترة تلاحقه حتى في منامه “في كثير من الأحيان أصحو مذعورا، أتذكر كيف تمت محاصرتي من مجموعة من الشبان، وكيف ضربوني وأهانوني فقط لأنني أردت شراء الخبز”.

http://

بالنسبة لحسن، الحياة في لبنان باتت مستحيلة، “في أحد الأيام تعرضت للملاحقة وأنا في طريقي إلى المنزل، كنت قد تمكنت من شراء ربطة خبز بعد انتظار أكثر من ثمانية ساعات أمام الفرن. الشبان الذين لاحقوني أوقفوني وضربوني وسرقوا الخبز، من هم ليقرروا من يحق له الحصول على الخبز أم لا؟ من هم ليحرموا أطفالي من الطعام؟

بسما، لاجئة سورية ثلاثينية تحدثت بمرارة عن تلك الفترة وما تبعها، “هناك شيء كسر، لا أشعر بالأمان بتاتا، بت أخاف من الجيران. لا أعلم متى يمكن أن يحدث الأسوأ”.

نهاية تموز/يوليو الماضي، كان أحد أبناء بسما يقف في الطابور أمام فرن الحي الذي تقطنه في إحدى مدن البقاع، حين تعرض له شبان يكبرونه العمر، “ضربوه وأسقطوه أرضا وسرقوا منه الخبز. قالوا له لا يحق للسوريين الحصول على الخبز هنا. هرعت لنجدته لكن ما باليد حيلة، كل ما أمكنني فعله هو كفكفة دموعه واصطحابه للمنزل، فحتى الشكوى للشرطة لن تنفع بحالتنا. هم ناقمون على الوضع الاقتصادي الذي أوصلتهم إليه طبقتهم الحاكمة، ما دخلنا نحن؟ هل علينا دفع فاتورة انهيار البلد لأننا الفئة الأضعف؟”.

إدانة حقوقية وأممية

مفوضية اللاجئين قالت في بيان يوم الجمعة 29 تموز/يوليو (عادت وأزالته عن موقعها) إن “لبنان يشهد حاليا زيادة في التوتر بين الفئات المختلفة، وبالأخص في العنف ضد اللاجئين ما يؤدي إلى تصاعد أعمال العنف في عدد من المناطق والأحياء”.

وأوضحت أن “للأزمة الاقتصادية في لبنان وقع مدمر على الجميع، وخاصة على من هم الأكثر ضعفا”، ودعت السلطات اللبنانية إلى “ضمان سيادة القانون والوقف الفوري للعنف والتمييز ضدّ المستهدفين المقيمين داخل الأراضي اللبنانية”.

 

http://

المرصد “الأورومتوسطي” لحقوق الإنسان تحدث عن تعرض اللاجئين السوريين في لبنان منذ سنوات إلى “ممارسات تمييزية وعنصرية، عدا عن القوانين التي تحد من قدرتهم على التمتع بحقوقهم الأساسية، ولا سيما الحق في الصحة والعمل، إضافة إلى تعرّضهم لعدد كبير من الاعتداءات التي تسبّبت بمقتل عدد منهم وإحراق بعض المخيمات، والتي تكون غالباً مدفوعة بخطابات كراهية وتحريض”.

… وغير السوريين أيضا

أما أبو يونس، اللاجئ الفلسطيني المولود في لبنان والمقيم في إحدى ضواحي بيروت، قرر الإبقاء على بناته الثلاثة في المنزل، وأن لا يخرج إلا للضرورة القصوى، “لم أتخيل بحياتي أن أسمع كم الكلام العنصري والمهين من جيران لي كالذي سمعته خلال تلك الأيام. في الحي قليلون من يعرفون أنني فلسطيني، لكن بسبب دفاعي عن شاب سوري كان يتعرض للتنمر بسبب الخبز، بات الجميع يناديني بالفلسطيني، ومنعوني من شراء الخبز. لولا أنني أعرف صاحب المخبز لما كنت قد حصلت على فتاتة واحدة. تلك الأيام كانت مرعبة”.

وأكمل “ولدت في هذا البلد وأمي لبنانية، مع ذلك لم أشعر يوما بأنني جزء من نسيجه الاجتماعي. هذا يمكن تحمله والصبر عليه، أما أن يتحول الموضوع إلى منعي من الحصول على الطعام لأنني ‘غريب‘ فهذا لا يمكن تحمله. أعتقد أن الأوان قد حان للمغادرة إلى أي مكان يشعرني وعائلتي بإنسانيتنا، ولا نخشى فيه من زعران اعتقدوا أنه بإمكانهم إدارة شؤون الناس كما يحلو لهم”.

قد يقول أحدهم أن هذا حصل للاجئين السوريين والفلسطينيين ويعيده لتاريخ طويل من الأحداث السياسية، وهذا ليس مبررا على كل الأحوال، لكن الفوبيا طالت كل من هو غير لبناني ويقطن خاصة في المناطق التي شهدت تلك الأحداث.

http://

 

على حسابه على تويتر، قال الناشط الحقوقي المصري مصطفى فؤاد “يبقى المخبز على بُعد دقيقة من بيتي ومقدرش أجيب منه رغيفين لأن الخبز بس للبنانيين… أنا تعبت وزهقت من العنصرية المقيتة اللي كل يوم بقابلها كأجنبي أسمر مقيم في لبنان…”.

من المعروف أن الأزمة التي عصفت بلبنان أثرت إلى حد بعيد بالبنى التحتية العامة للبلاد، وانعكست على كافة الجوانب الحياتية فيه. يضاف إلى ذلك استقباله مئات الآلاف من اللاجئين السوريين وقبلهم عشرات الآلاف من الفلسطينيين، الأمر الذي اعتبره مسؤولون لبنانيون أكبر من قدرة البلد على التحمل. لكن هل من خلال تعزيز الخطابات العنصرية والشعبوية يمكن إيجاد حلول لأزمات البلاد المتجددة؟ وهل تحميل اللاجئين المسؤولية عن الانهيار الحالي سيؤدي لوقفه وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه؟