عقوبة «الإعدام شنقاً»: تلك عقوبة قررتها محكمة أمن الدولة الأردنية بعد ظهر الأربعاء بحق المتهم الرئيسي في قضية تخص ملازماً شاباً من جهاز مكافحة المخدرات قتلته رصاصات من مروجين للمخدرات أثناء مطاردتهم.

العقوبة بحد ذاتها رسالة سياسية بامتياز أيضاً تكمل نصاب الحديث عن أن الدولة الأردنية بعد اليوم قررت «عدم التسامح» وبأي شكل من الأشكال في متابعة كل تفصيلات حرب المخدرات المتواصلة، التي تخطف أبصار الجميع.

ثمة في زوايا المشهد رسالة أخرى قد لا تقل أهمية عند الميل لأي محطة لها علاقة بتسييس الإجراءات والرسائل.
ففي المربع الأمني الحكومي تصور واضح عن شرارة الجريمة التي أدت لسلسلة من الأحداث والتداعيات المحلية والعشائرية الطابع في ضاحية شفا بدران على أكتاف العاصمة الغربية.

المخدرات حصراً لها دور مفصلي، نجم في تسلل الأحداث هنا؛ فقد وصفت الأجهزة الأمنية مبكراً القاتل في جريمة شفا بدران المثيرة بأنه مطلوب على ذمة قضية مخدرات، والانطباع حتى وسط أهالي المنطقة يشير إلى أن المجتمع اليوم المحلي في صورة ما الذي يمكن أن تؤدي إليه قضايا المخدرات بعد الآن من تأثير موجع.

في زوايا التدقيق والتحقيق انطباع بأن سلسلة تداعيات الأحداث المؤسفة بدأت أصلاً مع جريمة بشعة ارتكبت ضمن مساحة المواد المخدرة وحربها المعلنة باسم الدولة الأردنية سيادياً.

يعرف أهالي تلك المنطقة المضطربة ذلك منذ ستة أيام الآن، ويعرف غالبية الأردنيين في بعض المناطق والمحافظات ما وصفه يوماً أمام «القدس العربي» الوزير السابق الدكتور محمد الذنيبات، بمخاطر آفة المخدرات التي تفتك بالمجتمع ولا بد من الاشتباك وقائياً مع تفاصيلها. وفي زوايا التحقيق أيضاً اشتباه بمتهمين ارتكبوا جريمة القتل أصلاً في إطار نشاط إجرامي وجنائي آخر مرتبط بالمخدرات، فيما تبقى تلك معلومات في الاحتراز الأمني القانوني فقط وليست رسمية بعد.

يبدو أن بين الموقوفين في ذلك الحدث متهمين بمشاركة في ارتكاب جريمة قتل أو التغاضي عنها والتواطؤ معها. تلك المسائل في بعدها القانوني والأمني والعشائري عولجت في صحن عمان العاصمة بجهد كبير لكل الأطراف المعنية.

نموذج

لكن المجتمع أمام حالة تقدم نموذجاً اليوم لتلك الاحتمالات الصدامية التي يمكن أن يصل لها الناس جراء كلفة أي تواطؤ بيروقراطي من أي صنف في ملف المخدرات، فالمجتمع هو الذي يدفع الثمن قبل أي جهة أخرى، وسجلات الجرائم الجنائية المثبتة رسمياً للسنوات الخمس الماضية تقدم للأردنيين أدلة عملية على مستوى بعض الجرائم البشعة التي ارتكبت ليس في سياق نشاطات تهريب المخدرات وترويجها فقط، لكن في سياقات التعاطي خصوصاً للأصناف الرخيصة المصنعة محلياً أو الواردة من الجانب السوري.

لا يحتاج المواطن العادي في عمان اليوم لمزيد من الأدلة على أخطار آفة المخدرات، لكن قصة الاشتباك معها في الداخل عموماً تواجه تحديات وتعقيدات غير مسبوقة، فثمة من يهمس بين الموظفين في الدولة بأن الاستمرار في مواجهة الشبكات النشطة في إطار المخدرات قد يؤدي إلى تعقيدات واضطرابات أمنية غير محسوبة إما بسبب ندرة الوظائف، أو البطالة أو وجود ميل جنائي عند النشطاء «مخدراتياً» لاستعمال سلاح غير شرعي.
أطلق الرصاص مطاردو المخدرات ضد أجهزة المكافحة الأمنية عدة مرات، وفي قضية الملازم الشاب الشهيد لأغراض الواجب تقول محكمة أمن الدولة ضمناً بأن عقوبة الإعدام، وهي الأقسى، ستكون في الموقع لكل من تسول له نفسه الدفاع بالرصاص عن نشاطه الإجرامي.
أطلقت خلايا نشاط المخدرات النار دفاعاً عن مصالحها ضد الدولة والأجهزة عدة مرات.

لغة مختلفة

سقط في الاشتباك على الحدود مع سوريا وحتى مع مهربي المخدرات في الداخل شهداء وجرحى من أبناء القوات المسلحة وأطقم المكافحة، وما يقوله جنرالات الدولة الأردنية اليوم للقاصي والداني هو انتهاء مرحلة التمرير والتواطؤ، وأن الأجهزة بغطاء سياسي وبتوافق شعبي هذه المرة ودعم وإسناد ملكي ومرجعي أعلنت الحرب على المخدرات وستكمل مشوارها.

ذلك المشوار سيكتمل بوتيرة متسارعة ومهما بلغت التضحيات.. و»سنطارد تجار الموت حتى النهاية».

تلك عبارات صدرت في بيانات رسمية وقالها وكررها أمس الأول مدير الأمن العام الجديد اللواء عبيد الله المعايطة، وما يصفق له المواطن الأردني اليوم هي تلك النغمة في استرداد هيبة الدولة والمؤسسات تحت عنوان الحرب على المخدرات، التي وصفها مسؤول أمني رفيع المستوى أمام «القدس العربي» اليوم بأنها حرب معلنة ضد مصالح الأمن القومي الأردنية اليوم، لا بل حرب مسيسة أيضاً من خصوم المملكة.

واضح لأي مراقب عام بأن لغة الإصرار الرسمية مختلفة هذه المرة، وبأن جزءاً من تركيب المشهد الأردني اليوم له علاقة ليس فقط بنمو خطر المخدرات في العمق الأردني، بل وبتلك التقارير الدولية التي تصل من حلفاء وأصدقاء لمراكز صنع القرار الأردني تحت عنوان تحذير شديد اللهجة بأن الأردن في طريقه للتحول إلى مركز لوجستي إقليمي لترويج البضائع الرديئة والشريرة تحت عنوان المخدرات.

بالمعنى السيادي والأمني الحدودي، قال الأردن للجار السوري بعد لهجات.. «بضاعتكم سنردها إليكم». وبالمعنى المحلي الوطني، يقولها المعايطة ورفاقه اليوم لكل من ارتزق بترويج المخدرات محلياً.. «سنطاردكم حتى النهاية».

التحدي كبير ومعقد، وحساسية الأمر مرتفعة، وفيما القرار اتخذ تبرز أقاويل هنا وهناك تحت عنوان التحذير من كلفة الإصرار على الاشتباك مع طبقات وشرائح مستفيدة محلياً من هذه التجارة غير الشرعية، أو تحت عنوان دفع ثمن تجارة مصدرها سوريا أو لبنان، لكن تقف خلفها ميليشيات وأنظمة وأجهزة استخبارات في سياق التمويل ضد النشاطات المناهضة لما يسمى بالإرهاب السوري أو اللبناني.

بين التحذيرين اتخذت عمان قرارها حتى الآن وتجاهلت التفاصيل المحبطة وبدأت باستراتيجية الاشتباك، ويبدو أنها قررت إكمالها، الأمر الذي يعني المزيد من الإثارة في الأيام المقبلة.

بسام البدارين ـ القدس العربي