انتظر عشاق الساحرة المستديرة، حتى الجولة الثانية ليروا أوّل بطاقة حمراء في كأس العالم قطر 2022، حين استعان الحكم الغواتيمالي، ماريو إسكوبار، بتقنية الفيديو، من أجل طرد الحارس الويلزي واين هينيسي، بعد تدخله الأرعن في الدقيقة الـ87 من الوقت الأصلي من المباراة على المهاجم الإيراني مهدي طارمي.

وقبل اختراع تلك البطاقات الملونة، كان الحكم يطرد اللاعبين مباشرة بعد ارتكابهم الأخطاء القوية والاشتباكات العنيفة، بالإشارة أو التعبير عنها شفهياً، لكن تلك الطريقة لم تكن لتوقف حجم العنف بين اللاعبين، ما جعل كرة القدم وأرجل اللاعبين وحياتهم مهددة.

وبدأ التفكير في حلٍّ يحمي اللاعبين والحكام من الاعتداءات وينظّم اللعبة أكثر، وفي الأخير جاءت فكرة البطاقتين الصفراء والحمراء؛ لتجعل المباريات أكثر متعة وتنظيماً، بحيث تمنع هاتان البطاقتان على الأقل الأعمال الوحشية للاعبي كرة القدم التي كانت تُرتكب في السابق، فما قصة البطاقات الملونة في كرة القدم؟ ومن كان وراء فكرتها؟

الحكم الإنجليزي كين أستون يبتكر البطاقات الملونة من إشارات المرور

كان  التحكيم يعتمد في تعامله مع اللاعبين على الإشارة واتخاذ قراراته شفهياً، دون استخدام أي دلالات لإنذار لاعب ما أو طرده، وتسبب اختلاف اللغات في ظهور عدة أزمات، حتى قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منح الحكام حق استخدام البطاقات الملونة خلال جميع المباريات.

وفقاً لـ”فيفا” يعود الفضل في اختراع البطاقة الصفراء إلى الحكم الإنجليزي كين أستون، أحد أقوى حكام اللعبة، والذي كان رئيساً للجنة حكام FIFA من 1966 إلى 1972.

الحكم الإنجليزي كين أستون الذي إبتكر البطاقات الملونة في كرة القدم / wikipedia commons

ولعلّ أبرز شيء يتذكره عشاق كرة القدم عن الحكم الإنجليزي كين أستون، هو تعيينه حكماً لما يعتبره الكثيرون أعنف مباراة في تاريخ كرة القدم على الإطلاق، وهي المباراة التي عُرفت باسم معركة سانتياغو.

في عام 1966، كان أستون يفكر في بعض القرارات المثيرة للجدل في المباراة التي جمعت بين إنجلترا والأرجنتين في كأس العالم 1966 التي احتضنتها بلاده.

كانت تلك المباراة شديدة الحرارة لدرجة أن الفريق الأرجنتيني الغاضب من الخسارة، حاول بعد المباراة اقتحام غرفة خلع الملابس الإنجليزية.

في وقت من الأوقات، كان لاعب أرجنتيني يحاول التواصل مع الحكم الألماني رودلف كريتلين، وأدت توسلاته الحماسية، غير المفهومة للحكم، إلى طرده بسبب “العنف اللفظي”.

رفض اللاعب الأرجنتيني مغادرة الملعب حتى تدخل أستون.

أثناء قيادته سيارته إلى المنزل بعد نهاية المباراة، هناك استوحى الحكم الإنجليزي فكرة البطاقات من إشارات المرور، قال أستون: “عندما كنت أقود سيارتي في شارع كنسينغتون هاي ستريت، تحولت إشارة المرور إلى اللون الأحمر، حينها فكرت، “أصفر، خذ الأمور ببساطة، أحمر، توقف، أنت موقف”، بكل بساطة”.

بدأ العمل بها في مونديال المكسيك 1970

وخلال دورة الألعاب الأولمبية بالمكسيك 1968 تم بداية الاعتماد على البطاقات الصفراء والحمراء بشكل تجريبي، وكانت الفكرة جيدة من جانب كين أستون، ووافق الاتحاد الدولي لكرة القدم، على تطبيقها في 1969 وتحديداً في 20 سبتمبر/أيلول.

وبدأ التنفيذ الفعلي للبطاقات الصفراء والحمراء في كأس العالم 1970 بالمكسيك، والذي فازت به البرازيل، لتكتب رقم تاريخي لها بأنها أول دولة فازت بلقب تم تفعيل فيه البطاقات الملونة.

الغريب أنّ تلك النسخة من كأس العالم لم تشهد إشهار أي بطاقة حمراء، فقد تم استخدام البطاقات الصفراء فقط في ذلك الوقت، ويُعتبر الحكم الألماني “كورت تشينشر” أول من أشهر البطاقة الصفراء رسمياً في تاريخ كرة القدم، وذلك خلال قيادته للمباراة الافتتاحية لمونديال المكسيك عام 1970.

البطاقات الملونة
تم إعتماد البطاقات الملونة في مونديال المكسيك 1970/gettyimages

وقام كورت تشينشر بإنذار “كاخي اساتياني” لاعب منتخب الاتحاد السوفييتي قبل أن يقوم كورت بعدها بإشهار 4 بطاقات صفراء أخرى في المباراة ذاتها.

وعلى الرغم من أن فكرة البطاقات خرجت من حكم إنجليزي، فإن إنجلترا لم تشارك في تطبيقها على مسابقة كرة القدم الخاصة بها، فقد تم استخدامها في الدوري الإنجليزي بعد ستة سنوات من شروع “فيفا” في اعتمادها.

وفقاً لموقع footchampion الرياضي، توقف استخدام هذه البطاقات في عامي 1981 و1987، لأن الحكم كان يعتبر من السهل جداً عليه إصدار البطاقات في أي وقت ولأي سبب، احتج العديد من اللاعبين حتى تم إيقاف استخدام البطاقات مؤقتاً.

في الأساس، يتم إعطاء بطاقة صفراء كتحذير للاعب، وتعطيه فرصة أخرى للبقاء في الملعب لبقية المباراة، في حين أن البطاقة الحمراء تعني أن اللاعب يجب أن يغادر الملعب فوراً.

وتتسبب تلقي بطاقتين صفراوين على نفس اللاعب في نفس المباراة إلى منحه بطاقة حمراء، ويضطر اللاعب إلى مغادرة الملعب.

هناك 6 أنواع مختلفة من المخالفات التي يمكن أن تؤدي إلى إظهار بطاقة صفراء للاعب هي:

سلوك غير أخلاقي.

معارضة قرارات الحكم.

ارتكاب مخالفة وتكرارها.

تأخير استئناف اللعب.

عدم الحفاظ على المسافة الصحيحة من ركلة ركنية أو ركلة حرة.

ترك ميدان اللعب أو إعادة دخوله دون إذن الحكم.

أمّا البطاقة الحمراء، فيعتمد إخراجها على طبيعة وخطورة المخالفة، فيتعرض اللاعب إلى الطرد، بعد تلقيه صفراء ثانية في مباراة واحدة، ويعاقب على أثرها بعدم لعب المباراة التالية، وإذا ارتكب اللاعب سلوكاً عنيفاً، فعادة ما تكون العقوبة حظراً لـ3 مباريات.

المنتخب الأرجنتيني أكثر المنتخبات حصولاً على البطاقات الحمراء في كأس العالم

يعدّ منتخب الأرجنتين أكثر الفرق المشاركة في كأس العالم حصولاً على البطاقات الحمراء، إذ حصل على 10 بطاقات حمراء من 64 مباراة، وهو نفس المنتخب الذي تحصل على بطاقات صفراء في كأس العالم بواقع 88 بطاقة صفراء في 64 مباراة.

أمّا أكثر مونديال أخرج فيه الحكام بطاقات، فهو نسخة كأس العالم ألمانيا 2006 التي شهدت إخراج 345 بطاقة في 64 مباراة، كما تم إخراج 28 بطاقة حمراء في نفس المونديال، وشهدت نفس النسخة أكثر المباريات التي تم فيها إشهار البطاقات الصفراء، ويتعلق الأمر بمباراة منتخب البرتغال لكرة القدم ومنتخب هولندا لكرة القدم في كأس العالم 2006.

البطاقات الملونة
تم إبتكار البطاقات الملونة لتفادي التدخلات العنيفة ضد اللاعبيين /gettyimages

فيما يتعلق باللاعبين، فإن اللاعب الأكثر بطاقات صفراء وحمراء حتى الآن هو اللاعب الإسباني سيرجيو راموس، أما في تاريخ المونديال فيشارك اللاعب الفرنسي زين الدين زيدان مع اللاعب الكاميروني ريجوبرت سونج، التربع على عرش أكثر اللاعبين طرداً في كأس العالم، بواقع طردين.

وباتت فكرة البطاقات لأستون تستخدم للتحذيرات والعقوبات في أكثر من 12 لعبة أخرى، بما في ذلك المبارزة والهوكي الميداني والكرة الطائرة وكرة الماء.