في ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية.. قد نسمع عن العديد من حالات الوفاة المفاجأة بين أشخاصٍ مهاجرون قد يعتبرون أصحاء بالظاهر.. غالبًا ما تتنوع أسباب الوفيات ودوافعها، التي لا تكون ناتجةً عن أزمةٍ صحية أحيانًا.. يترك المسبب مجهولًا، بينما يُسجل القاتل: “سكتة قلبية”..

بعد أيامٍ على بداية العام 2024، تفاجأت رانيا “اسم مستعار” بنعوةٍ منشورة على الفيسبوك، بعد منتصف الليل، لأحد اصدقائها، الذي يعيش في ألمانيا في مدينة بولاية جنوبية، بالبداية لم تصدق، وحاولت أن تراسله وأن تتصل به، لكن أحدًا لم يجب.

لم تستطع رانيا النوم، لتتابع بكل دقيقة منشورًا جديدًا يؤكد الخبر: صديقها الثلاثيني قد توفي بأزمةٍ قلبية، كما كتبت شقيقته على صفحتها، لم تقتنع رانيا كثيرًا وراحت تبحث عن القصة، وبعد عدة اتصالاتٍ مع أصدقاء مشتركين كانوا قريبين منه تأكد حدسها: “لقد انتحر”.

تقول رانيا لـ”مهاجر نيوز”: “كان صديقي بصحة جيدة تمامًا، جسديًا على الأقل، لذلك لم أقتنع أنه توفي بأزمة قلبية، لكني أعرف حساسية الموضوع بمجتماعتنا، أن صديقي من أسرة محافظة من سوريا، والانتحار يعتبر شيئًا معيبًا، وأمراً محرماً، فكان من الأسلم لعائلته نعيه بهذه الطريقة”، “وتتابع: “بقيت لمدة أسبوع غير قادرة على التصديق، لقد كان من أكثر الأشخاص مرحًا في حياتي، لم تبد عليه أي علاماتٍ، ولم يشعر أحدٌ بذلك، كان قد تخرج حديثًا من الجامعة، وحياته شبه مستقرة، لا يمكن لشيء أن يصف حزني، لا يفارقني التفكير بكم الألم الذي رافقه حتى أقدم على هذه الخطوة، لا أستطيع مسامحة نفسي على أني لم أقدر أن اأفعل شيئًا لإيقاف معاناته”.

رغم عدم وجود أرقام دقيقة لحالات الانتحار بين المهاجرين واللاجئين لغياب توثيق معظم هذه الحالات، لأسبابٍ اجتماعية ودينية، إلا أنه تم الإبلاغ مؤخرًا على عدد من الحالات في ألمانيا والسويد وبلجيكا، اختلفت الطرق التي قرر فيها هؤلاء إنهاء حياتهم، لكن المشترك بينهم كان: الاكتئاب، بحسب العديد من الدراسات.

§

ما أسباب الانتحار؟

§

في دولٍ يحصل فيها المهاجر على أساسيات حياته عادةً، من طعام وشراب ومنزل، قد يعتبر هذا تطورًا عن الحالة التي انتقل منها، خاصةً بحالات الحروب والأزمات، لذلك ينظر البعض أنه لا أسباب للانتحار بين هذه الفئة تحديدًا، التي انتقلت إلى حالةٍ أفضل مما كانت عليه سابقًا.

لكن بحسب المختصة النفسية مارينا مقار فإن للانتحار عدة أسباب، تشرحها مارينا لـ”مهاجر نيوز” وتقول: “هناك عدة أسباب للانتحار يمكن تقسيمها إلى أسباب اجتماعية، حيث يشعر المهاجر بالوحدة لأنه وجد نفسه وحيدًا دون أسرة، بعيدًا عن منطقة الراحة أو الـComfort zone، التي عادةً ما تقدم الدعم للشخص للإبقاء على توازنه، عدا عن أن تحديات الغربة من محاولات إثبات الذات، وعدم الفشل، وضغط النجاح، وعدم التمكن من تحقيق الذات جميعها أمور قد تدفع بالشخص لإنهاء حياته، عندما يصبح كل ذلك ثقيلًا، عدا عن عدم وجود معنى للحياة أو كما يقال العيش دون هدف”.

§

مؤخرًا بدأت تزداد حالات الانتحار بين الشباب والمراهقين
مؤخرًا بدأت تزداد حالات الانتحار بين الشباب والمراهقين

§

وتتابع مارينا: “هناك أيضًا أسباب نفسية قد تدفع على الانتحار، كأمراض الاكتئاب، فالاكتئاب مسؤول عن نحو 70% من حالات الانتحار بالمجمل، كذلك أمراض الذهان، حيث يستمع المريض لصوت برأسه يقول له بوجوب إنهاء حياته، عدا عن أن حالات اكتئاب ما بعد الولادة قد يدفع النساء للإقدام على الانتحار أحياًنًا، وفي حالات أقل قد تكون الأمراض الجسدية والألم المرافق لها سببًا للانتحار، في محاولة لإيقاف العذاب والألم المرافق”.

بحسب منظمة الصحة العالمية ففي عام 2012 أودى الانتحار بحياة نحو مليون شخص تقريبًا سنويًا، وبحسب موقع Suicide Direct فإن معدلات الانتحار في أوروبا ترتفع بالدول الشمالية والشرقية منها، وتقل في دول المتوسط، وبحسب دراسات أجريت على المهاجرين في أوروبا بين أعوام 1980 و2017 تبين ان معدلات الانتحار بين مجموعات المهاجرين يتقارب مع معدلات الانتحار بين السكان المحليين، ويزداد خطر الانتحار بين الجيل الثاني للمهاجرين أكثر من الأول.

فبحسب الموقع المتخصص Suicide Direct تمثل الهجرة نفسها تحديًا كبيرًا وتؤدي إلى تفاقم عدم المساواة الاجتماعية، وتزيد بعض العوامل من المعاناة مثل الحواجز اللغوية، وانخفاض الوصول إلى النظام الصحي، والحرمان الاجتماعي والاقتصادي، والتمييز ما قد يؤدي إلى زيادة معدلات الانتحار بين هؤلاء المهاجرين.

وتشير مارينا إلى أنه لا توجد معلومات دقيقة حول نسب الانتحار بين الرجال والنساء، لكن بحسب ما تبين فإن النساء أكثر محاولة للانتحار، بينما الرجال أكثر إصابة عند تنفيذه، لكن الخطورة اليوم تكمن بأننا نشاهد حالات انتحار عديدة بين الشباب والمراهقين، خاصية بين المهاجرين منهم.

لكن الأخصائية النفسية مارينا مقار ترى أن الإدمان يعتبر أحد أهم دوافع الانتحار وأن “الإدمان انتحار بالبطيء، و25% من المنتحرين مدمين”.

ولأن الإدمان هو أحد أهم دوافع الانتحار، هذا ما دفع الشاب عمار عبد الرحيم الذي يعمل في مستشفى LVR Klinikum في مدينة إيسن، وهي مستشفى للأمراض النفسية، للعمل على مشروع من أجل التوعية بمخاطر الإدمان، وإعلام المدمنين خاصةً الشباب عن كيفية طلب المساعدة، وإيضاح الطريقة التي تمكنهم من النجاة دون الوصول للانتحار في بعض الحالات.

ويقول عمار لـ”مهاجر نيوز”: “انا أعمل بالمستشفى ولست طبيباً، لكني أصادف العديد من الحالات التي كان من الممكن إنقاذها باكرًا، لو عرفوا كيفية القيام بذلك، أو كيفية طلب المساعدة، إذ غالبًا ما يشعر المدمنون بالعار، ويخافون من كشف معلوماتهم، أو تأثير ذلك على مستقبلهم في حال تبين في سجلاتهم أنهم مدمنون سابقون، دون أن يعرفوا ان هذه الإجراءات محمية بموجب سرية البيانات الطبية، وأن يمكنهم طلب المساعدة بسرية، لذا أريد العمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

§

25% من المنتحرين مدمنون
25% من المنتحرين مدمنون

§

غالبًا أصحاء!

§

في عام 2020 وصلت صديقة “أسعد”* (اسم مستعار)، وهو شاب سوري يقيم في هولندا، إلى المنزل لتجد صديقها معلقًا بالسقف، كان يعاني من الاكتئاب لكنه لم يكن خطيرًا بنظر من حوله، يقول إبراهيم أحد أصدقائه لـ”مهاجر نيوز”: “لم نعتقد أن الأمر قد يصل إلى هذا الحد، فلقد كان يعمل ولديه حياة مستقرة، وصديقة وكلب، يشارك بالنشاطات، لم يكن منعزلًا، كنا نعلم أنه لا يزال يعاني من آثار الاعتقال عندما كان في السجن بسوريا، لكننا لم نلمس أنه خطرٌ حقيقي، لم نستطع المساعدة”.

في عام 2016 أجريت دراسة بمقر للاجئين في مدينة لايبزغ الألمانية، نشرها موقع: BMCPsycharity، على نحو 564 من المقيمين البالغين الوافدين حديثًا إلى ألمانيا، أظهر نحو 171 (30.3٪) من المشاركين الذين وصلوا للتو أو مؤخرًا إلى ألمانيا أنهم تعرضوا للتفكير في الانتحار خلال الأسبوعين السابقين للتقييم، بينما أفاد أولئك الذين أبلغوا عن التفكير في الانتحار أيضًا عن ارتفاع معدل انتشار الأعراض الجسدية، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، وتجارب العنف الجنسي، فضلاً عن سوء التقييم الذاتي للصحة العقلية والجسدية.

كذلك وجدت الدراسة أن هناك ارتباطات مستقلة مهمة بين التفكير في الانتحار والعمر الأصغر ومدة الرحلة الأطول للوصول إلى ألمانيا، ونسبة تجارب العنف الجنسي، وإصابة المشاركين بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأعراض الاكتئاب.

وبحسب موقع BMCPsycharity الطبي فإن العديد من اللاجئين يواجهون بانتظام تجارب مرهقة وصادمة مثل التعرض للنزاع المسلح، والإبادة الجماعية، والسجن، والتعذيب، والعنف الجنسي، والرحلات التي تهدد حياتهم، والانفصال، ونقص الغذاء أو الماء أو المأوى، أو مشاهدة الموت، أو الاحتجاز، أو الظروف العرقية و/أو العرقية. التمييز العنصري، فضلاً عن تقييد الوصول إلى الرعاية الصحية و/أو التعليم و/أو العمل، والتي يعتبر الكثير منها انتهاكات لحقوق الإنسان، بينما يضطر معظم اللاجئين للتعامل مع خسائر فادحة مختلفة (أفراد الأسرة، والأصدقاء، والوضع الاجتماعي، واللغة، وما إلى ذلك) وعمليات الحزن التي تهدد صحتهم العقلية بشكل مباشر أو غير مباشر، بغض النظر عما إذا كانوا آمنين حاليًا أم لا، كل ذلك أسباب تؤدي لتفاقم حالات الانتحار.

تؤكد الأخصائية النفسية مارينا مقار لـ”مهاجر نيوز” ما جاء بالدراسة، وترى أن اضطراب ما بعد الصدمة للناجين من حروب وأزمات قد تفاقم الوضع النفسي للمهاجرين واللاجئين، وخاصةً أن هذه الأمور تبدأ بالظهور بعد الاستقرار، لذلك نرى أن أشخاصًا قد يبدون مستقرين لكنهم يقدمون على الانتحار بطريقة لا نرى لها مبرر، لكنها أحد أعراض الصدمة.

§

علينا عدم الاستهزاء بمشاكل الآخرين والعمل على طلب المساعدة دائمًا
علينا عدم الاستهزاء بمشاكل الآخرين والعمل على طلب المساعدة دائمًا

§

ماذا عن الأحياء؟

§

شتيفاني شابة ألمانية، وابنة طبيب نفسي، في أحد أيام الصيف الماضي تلقت اتصالًا من صديقها السوري الذي يقيم في مدينة شمال ألمانيا، لكنها لم تستطع الرد، بعد نحو أسبوع علمت شتيفاني أن “أحمد”* (اسم مستعار) قد انتحر، حتى اليوم وبعد مرور أكثر من 7 أشهر، لا تزال شتيفاني تلوم نفسها، إذ تعتقد ان أحمد كان يطلب المساعدة، لأنه كان يتحدث مع والدها عن وضعه النفسي بين الحين الآخر.

كذلك تروي لجين لـ”مهاجر نيوز” أنها تلقت اتصالًا من ابنة عمتها قبل انتحارها بساعة، لكنها لم تسمع الهاتف، وترى أنه كان بإمكانها إنقاذها لو أجابت على تلك المكالمة، لذلك تخضع لجين اليوم لجلسات علاج نفسي محاولةً التخلص من شعور الذنب والتعامل مع الفقد.

تقول الأخصائية النفسية مارينا مقار إن المهمة على الأحياء تكون أصعب مما هي على من فارقوا الحياة، في التعامل مع ألم الفقد والحزن، والذنب أحيانًا، وترى أنه “لا يجب أن نعاقب أنفسنا على شيء لم نكن نعلم حدوثه، وأحيانًا لم نشعر بآثاره، المسؤولية تبدأ بالمعرفة، لكننا بالغالب لا نعلم”.

وتقترح مقار أننا في مثل هذه الحالات ” علينا سؤال أنفسنا: هل كنت أعلم ذلك ولم أتحرك لمنعه؟ أو هل كان لدي الوعي الكافي لتقديم الدعم؟ هل كنت قادر على تخفيف الألم؟ إذا كانت الإجابة لا، فهذا يعني أنه لم يكن بإمكاني فعل شيء، ولست مضطرًا للوم نفسي”.

وتشير إلى أنه بالإضافة لذلك علينا تقبل حزننا، وعدم الشعور بالعار، ونسيان كل ما يمليه علينا المجتمع من فكرة الحرام والحلال، والصح والخطأ، وتنصح بالنهاية باللجوء إلى المختصين لطلب المساعدة، والكف عن لوم نفسي واستبدال ذلك بتوظيف خبرتي بالانتباه لأشخاص آخرين حولي قد يكونون بحاجة للمساعدة.

§

لماذا لم يطلبوا المساعدة؟ 

§

بحسب مكتب الإحصاء الفيدرالي الالماني في عام 2021 تم تسجيل أكثر من 9200 حالة وفاة بسبب الانتحار في ألمانيا، أي نحو ثلاثة أضعاف عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق.

بينما يؤكد أسعد لـ”مهاجر نيوز” أن صديقه الذي كان يراه يوميًا تقريبًا، انتحر دون أن يشعره بأنه يحتاج لمساعدة، متسائلًا: “كيف كان بإمكاني المساعدة؟”.

الأخصائية النفسية مارينا مقار تجيب على هذا السؤال لـ”مهاجر نيوز” قائلة: “عادةً ما يعطي الشخص المنتحر علامات بأنه يخطط للأمر، سواء بالمزاح، أو إعطاء إشارات أخرى يمكن التماسها، إذ تبدو لديه علامات العار والشعور بالخواء والاكتئاب والشكوى من أنه لا أمل منه، وليس لديه سبب للحياة، كذلك قد نلمس تغيرات وتقلبات شديدة بمزاجه، ونرى غضبًا شديدًا وحزنًا شديدًا، أو ربما الشكوى من آلام جسدية مستمرة دون سبب عضوي محدد، أو السير بطريق الإدمان، كلها إشارات يمكننا لمسها، كذلك قد نرى أن المنتحر يبدأ بالانسحاب من الدائرة الاجتماعية لأصدقائه، قد يقوم ببيع ممتلكاته كأنه يودع الحياة، فهو غالبًا ما يكون يجهز لخطة حتى لو لم يفصح عنها، ويمكننا لمس هذه المؤشرات”.

وترى مارينا أنه لا يمكن لأحد تغيير ما حدث، لكن يمكننا التماس هذه الإشارات عند من حولنا، ووقتها علينا الإصغاء للناس بتعاطف، دون استهزاء أو التقليل من حجم مشكلاتهم، أو وصمها بالعار، ودون أحكام لأن ذلك كله سيؤدي لنتائج عكسية، ستفضي لإقدام الشخص على الانتحار.

وتنصح بالنهاية العمل على نصيحة الأشخاص بالاستعانة بمختصين نفسيين لأنه الحل الأنسب دائمًا.

 

 

 

 

*تم استخدام أسماء مستعارة لجميع الحالات سواء من المتوفين أو المتحدثين، كما تم تغيير تفاصيل سكنهم وإقاماتهم نظرًا لحساسية الموضوع.