من المؤكد أن أكبر المتشائمين من قادة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف لم يكن يتوقع أن يتهاوى الحزب من صدارة الدورة الأولى في الانتخابات التشريعية الفرنسية إلى المركز الثالث في عدد المقاعد مع نهاية الدورة الثانية.

وأظهرت النتائج الأولية للدورة الثانية حصول تحالف اليسار “الجبهة الشعبية الجديدة” على ما بين 177 إلى 192 مقعدا بالجمعية الوطنية، متبوعا بالتحالف الرئاسي (ما بين 152 إلى 158 مقعدا) وثم التجمع الوطني وحلفاؤه (ما بين 138 و145 مقعدا)، وفق تقديرات معهد (إيبسوس/ تالان).

فبعد ظهور نتائج الدورة الأولى، سارع رئيس الحزب جوردان بارديلا إلى تقديم نفسه على أنه رئيس الوزراء الذي سيخلف غابرييل أتال في قصر ماتينيون مطالبا الفرنسيين بمنحه الأغلبية المطلقة في الدور الثاني لتطبيق برنامجه الانتخابي.

وتصدر التجمع الوطني الدورة الأولى بحصوله 33,1 في المئة من الأصوات حسب النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية. وجاء في المركز الثاني تحالف اليسار، الجبهة الشعبية الجديدة (28 في المئة) ثم معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون في المركز الثالث (20 في المئة).

وبعد مرور أسبوع فقط، حاول بارديلا مساء الأحد التخفيف من وطأة الخيبة عندما أشار في كلمته بعد خروج النتائج الأولية إلى أن الحزب حقق أكبر اختراق له في البرلمان (كان له 89 مقعدا في الجمعية الوطنية التي قرر ماكرون حلها بعد الانتخابات الأوروبية).

وهذا الأسبوع بين الدورتين كان حاسما في تغيير الخريطة الانتخابية مع تصريحات سياسية من زعماء سياسيين تدعو لسد طريق السلطة أمام التجمع الوطني المتطرف.

 

الانسحابات و” السد الجمهوري” يعطلان قطار اليمين المتطرف

 

شهدت الساحة السياسية الفرنسية تحركات كبيرة في الأسبوع الفاصل بين الدورتين بهدف واضح دون مواربة: منع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة، ونحّت الغالبية الرئاسية السابقة والأحزاب اليسارية خلافاتها الجذرية جانبا وانسحب أكثر من 200 من مرشحي هذين التحالفين السياسيين الذين تأهلا في الدور الأول، من خوض الدور الثاني لصالح أي مرشح آخر منهما ينافس التجمع الوطني.

وتشير معاهد استطلاعات الرأي إلى أن غالبية مرشحي التجمع الوطني خسروا الدورة الثانية في الدوائر التي انسحب فيها مرشحو التحالف الرئاسي أو الجبهة الشعبية الجديدة.

 

نسبة مشاركة قياسية تخدم اليسار؟

 

العامل الثاني الذي من المرجح أنه لم يخدم التجمع الوطني هي نسبة المشاركة القياسية منذ انتخابات عام 1981 (التي فاز فيها اليسار أيضا. وكثيرا ما يردد مراقبون للسياسة الفرنسية أن نسبة المشاركة العالية تخدم بالأساس أحزاب الوسط واليسار أكثر منها في صالح اليمين.

وبلغت نسبة المشاركة في الدور الأول أكثر من 66 بالمئة وتجاوزت في الدور الثاني 67 في المئة.

وعلى سبيل، لم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2022 حاجز 49 في المئة، حيث اعتاد الفرنسيون على مدى العقدين الماضيين على المشاركة بشكل أكبر في الانتخابات الرئاسية التي  تعد المحدد الرئيسي للسياسات العامة للدولة. إلا أن الرهان الكبير لهذه الانتخابات المكبرة دفع نحو ثلثي الناخبين الفرنسيين إلى الإدلاء بأصواتهم في الدورتين.

تحالف يساري شُكل على عجل يتصدر الشارع ومن ثم الصناديق

 

عامل آخر ساهم في تغيير المشهد السياسي الفرنسي في ظرف قصير بعد زلزال الانتخابات الأوروبية (التي تصدرها اليمين المتطرف)، هو التحالف اليساري الواسع تحت يافطة “الجبهة الشعبية الجديدة” التي تشكلت على عجل بعد نتائج 9 يونيو بهدف واضح لا يخفيه قادتها ألا وهو “وضع كل الخلافات العميقة بين مختلف تشكيلات اليسار جانبا للتصدي لليمين المتطرف”.

كما أن المظاهرات الكثيرة في مختلف أنحاء فرنسا التي خرجت بدعوة من مختلف أحزاب “الجبهة” ضد اليمين المتطرف خلقت زخما في الشارع الفرنسي ومن المفترض أنها ساهمت في الإقبال الكثيف على صناديق الاقتراع.

وكانت الجبهة الشعبية أكثر وضوحا في موقفها من اليمين المتطرف ودعت صراحة للتصويت للتحالف الرئاسي في الدور الثاني (رئيس حزب فرنسا الأبية ذكر بأن اليسار صوت لصالح ماكرون في رئاسيات 2017 و2022 لمنع مارين لوبان من الوصول إلى الإليزيه).

هذا الموقف  كان أقوى بكثير من عائلة ماكرون السياسية. حتى أن الرئيس الفرنسي ساوى في أحد تصريحاته خلال الحملة الانتخابية “بين أقصى اليمين وأقصى اليسار”.

ولعل وضوح الرؤية والموقف لدى اليسار هو ما جعل منه يحصل على أغلبية نسبية على حساب التحالف الرئاسي بالرغم من التقدم الهائل الذي حققه هذا الأخير في الدورة الثانية.

 

جميعة وطنية بدون أغلبية واضحة تنذر بشلل سياسي

 

في المحصلة، نجح “السد الجمهوري” الذي دعا إليه اليسار والوسط ويمين الوسط في إلحاق هزيمة قاسية باليمين المتطرف في تحقيق الهدف الأكبر، إلا أن المعضلة التي تواجه اليسار بالخصوص الذي يملك أكبر عدد مقاعد بالجمعية  -وبدرجة أقل التحالف الرئاسي- في تشكيل تحالف لتشكيل حكومة مستقرة، في خضم الخلافات العميقة بين العائلتين السياستين  [تنويه: تتكون الجمعية العامة من 577 نائبا وللحصول على الأغلبية المطلقة يجب أن تنال الحكومة ثقة 289 نائبا].

جان لوك ميلنشون زعيم حزب فرنسا الأبية، أحد أبرز أضلاع الجبهة الشعبية الجديدة، أكد في كلمته بعد ظهور النتائج “نهاية الماكرونية” (نسبة إلى سياسة ماكرون). في المقابل، لا يخفي قادة بارزون في التحالف الرئاسي رفضهم التعامل مع حزب ميلنشون متهمين إياه بـ”معاداة السامية” و”الحض على تفرقة الفرنسيين”.

في كل الأحوال، من المؤكد أن نتائج الانتخابات أعادت اليمين المتطرف  خطوات كثيرة إلى الوراء قبل رئاسيات 2027، إلا أنها خلفت مشهدا سياسيا مشتتا ينذر بمرحلة من الشلل السياسي في دواليب السلطة التنفيذية إذا فشلت العائلات السياسية في الاتفاق على تشكيل ائتلاف حكومي.