لا شك أن كثيرين فوجئوا، وربما أصيبوا بصدمة كبرى، وهم يرون ما يسمى بالدول الديمقراطية الغربية، التي تتشدق بالعدالة وحقوق الإنسان ليل نهار، وهي تدعم الهجوم الإسرائيلي على غزة عسكرياً وإعلامياً وسياسياً بكل فجاجة، وتبارك حتى القتل والتجويع والتنكيل بالفلسطينيين، وتضرب عرض الحائط بكل مبادئها الديمقراطية والإنسانية المزعومة.

لا أدري لماذا شعر البعض بالصدمة لمجرد أن الغرب هبّ لنجدة صنيعته إسرائيل التي يعتبرها جزءاً لا يتجزأ من مجاله الحيوي، واعتقدوا أنه قد انقلب على قيّمه، وسقط سقوطاً أخلاقياً مدوياً في حرب غزة. في الحقيقة، الغرب لم ينقلب على مبادئه مطلقاً، وهو يمارس سياساته المعهودة منذ قرون بنفس الطريقة.

متى يا ترى كان الغرب ديمقراطياً أو محترماً لحقوق الإنسان والإنسانية أصلاً خارج حدود بلاده ودوائر نفوذه ومصالحه الخاصة؟

لقد قالها الروائي الروسي الشهير تولوستوي ذات يوم: «إن المتحضرين المزعومين هم أعتى وأسوأ السفاحين والقتلة على مدى التاريخ».

وطبعاً يقصد الغرب الذي يرفع شعارات الحرية والأخوة والمساواة والحضارة وحقوق الإنسان، لكنه أكبر منتهك لتلك الشعارات مع الشعوب الأخرى.

ألم تروا ما فعله المستعمر الغربي (الهمجي المتحضر) مع شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية؟

يكفي أن تتذكروا فقط أن أمريكا لوحدها قتلت أكثر من مئة مليون هندي أحمر وأقامت امبراطوريتها الحالية على جماجمهم. لكن هذا لا ينفي مطلقاً أن الغرب يبقى ديمقراطياً حتى النخاع داخل بلاده ودائرة مصالحه الخاصة.
صحيح أن المستعمر البريطاني مثلا مارس أبشع أنواع العنصرية في تعامله مع الشعوب التي استعمرها.

ولا أحد يستطيع أن ينكر جرائم الاستعمار الغربي من فرنسي وبرتغالي وهولندي وألماني في أفريقيا، فقد كان ذلك الاستعمار ساقطاً بكل المقاييس. لكن يجب ألا ننسى أيضاً أن المستعمر اللعين كان غاية في اللطف والتعامل مع مواطنيه داخل بلاده ومع حلفائه المقربين، فقد كان يستعبد الآخرين ويقتلهم ويمتهن كراماتهم، وينهب خيراتهم من أجل شعوبه وأوطانه ومصالحه.

وإذا نظرنا إلى واقع العلاقات الدولية الحالية نرى أنها لا تختلف بأي حال من الأحوال عما كان عليه الوضع أيام الاستعمار القديم، فالغرب يتصرف الآن مع بقية دول العالم بنفس الطريقة البشعة التي كان يتصرف بها المستعمر مع مستعمراته، فلم يتردد المخطط الاستراتيجي الأمريكي الشهير بريجنسكي ذات مرة في وصفنا ووصف بعض المناطق الآسيوية بأننا ننتمي إلى فئة البرابرة.

ولا ننسى أن مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل وصف أوروبا قبل فترة «بالحديقة الغنّاء التي يجب أن نحميها من المتوحشين خارجها».

متى يا ترى كان الغرب ديمقراطياً أو محترماً لحقوق الإنسان والإنسانية أصلاً خارج حدود بلاده ودوائر نفوذه ومصالحه الخاصة؟

وقد يتساءل البعض حائرين من هذه الازدواجية الصارخة في طريقة التعامل الغربي مع الداخل والخارج. كيف يمكن أن يكون الزعماء الغربيون ديمقراطيين ومتسامحين مع مواطنيهم وكل من يدور في فلكهم إلى أقصى درجة ويطبقون المعايير الديمقراطية بحذافيرها من احترام للحريات ومراعاة للحقوق، بينما يدوسون في الوقت نفسه على كرامات وحريات وحقوق الشعوب الأخرى بطريقة مهينة للغاية دون أي تردد أو وخز للضمير؟

لماذا يخشى الزعيم الغربي من مجرد دعوى قضائية بسيطة قد يرفعها مواطن ضد الحكومة، بينما يضرب عرض الحائط بكل الاحتجاجات الدولية الشعبية منها والرسمية ضد سياسة بلده؟

لماذا يلتزم القائد الغربي بأبسط قواعد التصرف مع مواطنيه وحلفائه، بينما ينتهك كل القوانين والأعراف والقيم والنواميس الدولية الأخرى حينما يتعلق الأمر ببلدان وأقوام أخرى؟

لقد حاولت ونقبت كثيراً كي أجد جواباً شافياً لهذه المعضلة الأخلاقية المعقدة، ولعلني نجحت في إيجاد الحل، فقد توصلت إلى نتيجة مفادها أن الزعيم الغربي يتعامل مع شعبه وأقرانه بنفس الطريقة التي يتعامل بها الوحش المفترس في الغابة مع الحيوانات الأخرى.

لا شك أنكم شاهدتم كيف يتصرف الأسد والنمر والفهد والضبع والذئب وغيرهم من الحيوانات الكاسرة مع بقية الحيوانات، فالضباع والذئاب والفهود مستعدة أن تصطاد الغزال وحمار الوحش والجواميس وغيرها بكل وحشية كي تأكل وتُطعم أبناءها.

إنه لمنظر عجيب أن ترى اللبوة أو النمر يمزق أشلاء الأرانب والغزلان والجواميس، ثم بعد لحظات قليلة تراه يداعب أبناءه الصغار بحنو وعطف ودماثة عز نظيرها، فالحيوانات المفترسة تبدو في غاية الديمقراطية والتسامح مع جرائها والمقربين منها من الحيوانات الضارية الأخرى، لكنها في غاية التسلط والديكتاتورية والوحشية والعدوان والقمع والبطش مع الحيوانات الأخرى.

وهكذا الأمر بالنسبة للديمقراطيات الغربية، فهي «بالفطرة الديمقراطية» نعامة مع شعوبها وحلفائها وبيئتها، وعلى الشعوب الأخرى أسود ضارية.

ولا ننسى مثلاً أن وزيرة الخارجية الألمانية زعيمة حزب الخضر رفضت هدم عمارة وبناء مستشفى مكانها في إحدى المدن الألمانية حفاظاً على حياة مجموعة من الخفافيش، لكنها في الآن ذاته كانت تدعم الهجوم الإسرائيلي على غزة بقوة.

بعبارة أخرى، فإن الديمقراطية تبقى شأنا مصلحياً داخلياً خاصاً في مجتمعي الإنسان والحيوان، ولا ديمقراطية أبداً في العلاقات الخارجية أو الدولية.

لكن الأمر معكوس في العالم العربي، فالزعيم العربي أكثر ديمقراطية مع الخارج ألف مرة مما هو مع شعبه، فهو يتواضع ويتسامح ويلين مع الغير، حتى لو باع الوطن أحياناً، أما مع شعبه فهو وحش مفترس يبطش ويقمع ويضطهد ويسحق ويعتقل ويهجّر ويصادر ويدوس الأخضر واليابس، لأنه أصلاً مجرد «سلوقي» صيد منتخب من الصيادين مشغليه في الخارج.

ليت حكامنا ذات يوم يتعلمون أصول الديمقراطية من الحيوانات الكاسرة، فيهتمون بأوطانهم وشعوبهم ويدافعون بأسنانهم عن مصالحهم الوطنية، حتى لو تجنّوا على الآخرين، لكن وا أسفاه، فهم كواسر على شعوبهم وأرانب مع الغير، على عكس كل النواميس الغربية والحيوانية.

 

 

 

كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com