تسعى العديد من النساء السوريات للحصول على الجسم المثالي من خلال اللجوء إلى عمليات جراحية مثل تكميم المعدة وتحويل المسار، رغم كلفتها الباهظة التي تتراوح بين 4 آلاف و8 آلاف دولار أميركي، والمخاطر الصحية المرتبطة بها.

وبعد أن أصبح السفر إلى تركيا المشهورة بهذه العمليات صعبا، لجأت السوريات إلى إجرائها في ألمانيا مستفيدات من التأمين الصحي، وإمكانية الحصول على تقرير طبي يثبت وجود مرض ضغط أوسكر، حيث بات من الشائع أن تجد بين مجموعات السيدات من أجرين مثل هذه العمليات، وسط نصائح متبادلة عن تأثيرها الإيجابي على الحياة رغم الألم والتكاليف المرتفعة. من مها التي اتخذت القرار بعدما فشلت محاولاتها في إنقاص وزنها، إلى زينة التي لم تتردد بعد معاناة طويلة مع السمنة، وعلا التي تأثرت بتجربة حب فاشلة، تتعدد القصص وتتشابه الأهداف. وبينما يرى الأطباء أن هذه العمليات باتت روتينية، يحذر خبراء النفس من تأثيرها النفسي العميق، خاصة في مجتمع يمجد الكمال الجسدي الذي تصدّره وسائل التواصل الاجتماعي.

§

ثمن “الجمال” كما تروجه السوشيال ميديا

§

تقول مؤرخة الأزياء الأميركية إيما كليندون إن ما بقي اليوم هو “فكرة مفادها أنه لكي يكون جسمك عصريا حقا عليك على الأرجح أن تغيره بطريقة ما”، ووثقت كليندون تاريخ الجسد الأنثوي ومقاييس جماله التي تغيرت بشكل مستمر، من تمجيد الجسد الممتلئ والنحافة وصولا إلى عصر الجمال على منصات السوشيال ميديا، حيث نرى الفتيات الرياضيات يرتدين الملابس الضيقة، ويروجن لأسلوب حياة كامل عبر الرياضة والتغذية التي أصبحت “تجارة مربحة”، وإلى جانب ذلك تنتشر عمليات التكميم وتحويل المسار كطريق أقصر نحو “الجمال”.

 

وتقول نساء سوريات لموقع تلفزيون سوريا، إن العملية غيّرت حياتهنّ للأفضل رغم ما عانينه من ألم جسديّ وكلفة ماديّة، هذا ما تؤكده مها ذات الأربعين عاما والتي اتخذت قرارها بإجراء العملية قبل ثلاث سنوات بعدما وصل وزنها إلى 117 كيلوغراماً، ولم تفلح بحسب قولها جميع محاولاتها لإنقاص وزنها عبر حميات غذائية متنوعة، ورغم أنّ مها عانت لمدّة شهرين بعد العملية من مضاعفات خطيرة ومن نقص فيتامينات يرافقها حتى  اليوم إلا أن استطاعتها شراء ما تريد من ملابس في السوق يجعلها لا تندم على هذه الخطوة وتعيدها مرة أخرى إذا زاد وزنها مرة أخرى بحسب ما قالته لموقع تلفزيون سوريا.

كذلك الأمر بالنسبة لزينة 26 عاما والتي قالت، إنها قررت إجراء عمل جراحيّ بعد أن عانت من السمنة مذ كانت طفلة، ولم تستطع تثبيت وزنها والذي استمر في الزيادة رغم جميع محاولاتها، وعندما شاهدت كثيراً من الفيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لسيدات خضن تجربة العمل الجراحي قررت إجراء عملية قص المعدة دون تردد.

ورغم تقبّل عائلة زينة ومحيطها لشكلها إلا أنها لم تكن راضية حيث لم تستطع أن تواكب الموضة أو ترتدي ما تريد بسبب وزنها الذي وصل بعد جائحة كورونا إلى 103 كيلوغرامات، وتصف زينة حياتها اليوم بأنها سعيدة وتشعر بالرضا عن شكلها وزادت ثقتها بنفسها أكثر وكذلك اهتمامها بجسدتها وبأنوثتها.

§

“مازلت أشعر أنني سمينة”

§

لدى علا تجربة مماثلة حيث أجرت عملية تحويل مسار منذ خمس سنوات وما زالت تعاني مضاعفات العملية حتى اليوم، إلا أن تجربة فقدانها للوزن لم تكن كما سابقاتها فعلى الرغم من أنها فقدت نصف وزنها تقريباً إلا أنها تشعر بأنها ما تزال “سمينة” بحسب تعبيرها، وأن السبب الرئيسي وراء لجوئها للعمل الجراحي كانت قصة حبّ بدأت عبر منصة إنستغرام الذي يتيح عدداً من “الفلاتر” التي تغيّر الشكل كليّاً، وانتهت القصة في مقهى في مدينة زار بروركين الألمانية حينما تعرّضت للتنمر من الشاب الذي واعدته بسبب وزنها و”كذبها” على حدّ قوله، ولم تستطع علا ترميم نفسيتها رغم قوامها الحاليّ والذي أبرز جمالها كما تقول، إلا أنها عالقة ضمن تلك العلاقة وفقدت ثقتها بنفسها بشكل كلّي.

§

عملية تكميم المعدة

§

عملية قص المعدة أو ما يسمّى التكميم، هي عملية حديثة نسبياً، لكنّها اكتسبت شعبية كبيرة منذ عام 2005 تقريباً، وتهدف العملية إلى تخفيض قدرة استيعاب المعدة بنحو 70%، أي إنّ على المريض الالتزام بنظام غذائي صحيّ وممارسة التمارين الرياضة حتى لا يضطر لإعادة العملية مرَة أخرى، الأمر الذي أكدّه الطبيب بسام الشاعر اختصاصي جراحة عامة، وقال الشاعر لموقع تلفزيون سوريا “أصبح هناك تساهل كبير في إجراء مثل هذه العمليات بتوسيع دواعي الجراحة، وتخفيض العمر المسموح به لإجراء مثل هذه الجراحات حتى عمر 7 سنوات ورفعه حتى 65 عاما، بعد إجراء فحوصات طبية تخص قابلية تحمّله للتخدير”.

 

ويضيف الشاعر أن نسبة الخطورة منخفضة جداً لدى الشباب، وتزيد الخطورة عند وجود مشكلات صحية مثل أمراض القلب والسكري ولكنّها جميعاً لا تصل إلى مراحل تهديد الحياة إلا فيما ندر، وأصبحت هذه العمليات روتينة بسبب كثرة الطلب ورغم ذلك لا يعتبرها الشاعر عملية تجميلية، ويشير بحسب خبرته إلى أن النساء هنّ النسبة الأعلى التي تقوم بإجراء مثل هذه العمليات بسبب الهرمونات، والحمل، وحياتها التي لا تشمل حركة مستمرة بحسب طبيعة الحياة الاجتماعية للنساء في المنطقة، وبالنسبة للمتابعة الطبية بعد العملية فغالباً لا يحتاج المريض لأكثر من يومين في المستشفى، ويُعطى بعدها حمية طبية لمدّة شهرين، وبعدها يعود لحياته الطبيعية ولكن وفق نظام غذائي دائم حتى لا يُضطر لإعادة العملية مرّة أخرى، ويؤكد الشاعر أن عملية تكميم المعدة تختلف كلياً عن عملية تحويل المسار والتي تحتاج متابعة من طبيب الهضمية والتغذية مدى الحياة، حيث إنها تهدف إلى حرمان الجسم من امتصاص أي من مكوّنات الطعام بما في ذلك الفيتامينات والمعادن اللازمة لاستمرار عمل الأعضاء الحيويّة، لكنّها ما تزال مطلوبة لأنها تمنع السُمنة مدى الحياة.

§

كيف ينظر علم النفس لعمليات التجميل؟

§

وحول هذا النوع من العمليات يرى مختصون في علم النفس، أن الحكاية كاملة تبدأ بالعلاقة العاطفية بين الطفل وأسرته، فعند وجود الحب المشروط، والمقارنة، والتنمر، والإهمال العاطفي، يحمل الطفل جرحاً يدفعه للتقليد الأعمى وحتى الهوس بتحسين مظهره، دون احترامه لذاته وفهم احتياجاتها، وتقول الاستشارية النفسية تحرير نبع لموقع تلفزيون سوريا عن أثر هذه العمليات على الصحة النفسية “إن نجاح العمليات وفشلها هو الركيزة الأساسية بالتأثير على الحالة النفسية، فنجاح تلك العمليات والشعور بالرضا والراحة والقبول وخاصة العلاقات الزوجية التي تشهد فتورا وابتعادا لأسباب أهمها المظهر، والمقارنة مع الفتيات بالخارج تجعل أساس العلاقات ومقاسيها الجمال ومن هنا الحالة النفسية تكون مقرونة بنتائج عمليات التجميل على كل الأصعدة جسدياً وعاطفياً واجتماعياً ومهنياً، فإذا كانت إيجابية تحمل معها نشوة وسعادة نفسية وإذا كانت سلبية فالعكس تماماً، يمكنها أن تتحول إلى اكتئاب وقلق ورهاب واضطرابات مرضيّة أخرى”.

إذاً مرّة أخرى لعمليات النحافة وجهان، ويمكن لأحد احتمالاتها أن يودي بحياة المريض/ة بدل تحسينها، لكنّه/ا يقدم على هذه الخطوة، تحت ضغوط عدّة أبرزها وهم الكمال الذي صدرّته مواقع التواصل الاجتماعي بشكل رئيسي، ليصبح محيط الخصر، وحجم عضلات الأكتاف، مقياساً لأهليّة الفرد في العلاقات والمهنة وحتى القبول الاجتماعي، وبالطبع لا يمكن لأحد إنكار أن السمنة والبدانة تسببان أكثر من مليون حالة وفاة سنوياً، ومن المحتمل أن تكون مسؤولة بشكل مباشر عن مئتي ألف إصابة جديدة على الأقل بالسرطان كل عام بحسب منظمة الصحة العالمية، إلا أن كثيرين/ات، استطاعوا الحفاظ على صحتّهم باتباع نظام غذائيّ وعلاج أي خلل عضويّ يمنع  نزول الوزن، لكنّ سرعة نتائج العمل الجراحي تتماشى مع سرعة العصر الحالي، الذي بات يتطلب منّا يومياً اتخاذ قرارت سريعة وحاسمة ويمكن أن تعرض حياتنا للخطر في سبيل مجاراته.