خسارتك يا أحمد يا سقا، لطالما بدوت كرجل “جدع”، فعلى الرغم من أن أعمالك الفنية ليست الأكثر قيمة، فإن شخصيتك كانت دوماً قريبة من الشارع. خطابك، رغم بعض ذكوريته، كان يتسم بالشهامة وبنوع من الالتزام الأخلاقي المبدئي، فأين ذهب كل هذا منك في قضية العصر، تجاه جريمة القرنين العشرين والحادي والعشرين؟

وإذا كنت غير قادر على قول شيء، هل أنت مجبر على قول ضده؟

هل ربحية إعلان بيبسي هي بهذه القوة حتى تخدر ضميرك وتتجاوز بك قتل الأطفال وقطع رؤوسهم وتفجير المدنيين وتهجيرهم وتجويع وتشريد مئات الآلاف من إخوتك في العروبة والدين، يا راجل يا جدع؟

السؤال يبدأ بك لأنك طالما أظهرت “جدعنة” وشهامة كنا نظنهما أول ما سيقف بك موقفا ماديا وتعبيريا بطوليا شهما، موقفا يقدم مثالاً لآخرين حول دور الفنان ورسالته تجاه قضايا الإنسانية أجمع. وماذا حدث لمحمد صلاح، حبيب العالم العربي، الرجل الورع الذي يسجد مع كل إنجاز كروي، بيبسي يا رجل؟

وماذا عن عمرو دياب، الهضبة التي تَفَتّتت اليوم، تنقصك الأموال حتى تعلن لمشروب دموي كل علبة منه هي قطعة من صاروخ يقصف المدنيين ويقطع أشلاء الأطفال ليحملهم أهاليهم في أكياس بلاستيكية؟ إذا كنتم بلا عقل أو منطق، هل أنتم بلا مشاعر؟ هل تبلدتم بقوة الدولار وبلذة الشهرة إلى هذا الحد؟

ولقد ظهر بيومي فؤاد قبل فترة في لقاء طويل مع أسما إبراهيم مليئا بالشكوى والتباكي على اللوم الذي طاله والخيانة التي “ضربته في قلبه” من زملائه ومحبيه بعد مشاركته في مهرجانات قامت مباشرة بعد بداية مجزرة غزة. ظهر فؤاد غاضباً صارماً بصوت مليء بالحزن على نفسه ومصابه، راضياً بقضاء الله لتأكده من “أخلاقية” موقفه.

وبدلا من أن يستغل فؤاد هذه المنصة لتعديل موقفه و”تضميد” الكلمة المسيئة التي قالها على مسرح المهرجان والحديث عن مصاب غزة الفادح وأطفالها الذين أصبحوا اليوم بأشلائهم يسكنون تحت الأرض، أحياناً أحياء تحت الأنقاض وفي الغالب أمواتاً مهروسين بالقنابل، استغل هو الساعة متحدثاً عن “مصابه الأليم” والظلم الذي حاق به والأذى الذي طاله بسبب كل ذلك. فهل انعدم الحياء؟

أسماء كبيرة، أغلب فناني الخليج، لربما لأنهم “أغلب”، يصعب تحديد أسمائهم لكنني أرحب بتعليقات القراء على صفحة “القدس العربي” أو على وسائل التواصل لإدراج هذه الأسماء حتى نتمكن من مقاطعتهم وحظرهم، والكثير من فناني العالم العربي عموماً إما مطبعون ضمنياً أو صامتون، ولا أدري أيهما أسوأ، وهو ما يصبغ الساحة الفنية العربية بصبغة تخاذلية انبطاحية مادية، تجعل شهرتهم، التي صنعناها نحن لهم، سلاحاً ضد جماهيرهم لا معها.

هذه الشهرة وهذه الأعداد المليونية من المتابعين لها مقابل، والمقابل هو الوقوف مع قضايا الشعوب العربية، على الأقل الإنسانية الضخمة الواضحة منها، بلا تردد وبلا تخاذل. ولأنكم لم تقدموا مقابلاً لهذه الشهرة وتلك المحبة، أتصور أنه لا بد من استردادهما منكم، ممن لم يقم بدوره المرتبط بهما ولم يدفع ثمن تمتعه بمزاياهما.

بلا شك، الفنانون المصريون هم الأكثر شهرة والأكثر متابعة والأكثر نصيباً في محبة العالم العربي، لذلك تتركز عليهم كل الأعين وتتعاظم عليهم المسؤولية وتتنامى تجاههم التوقعات. مصائبنا اليوم لا تتوقف عند غزة وفلسطين، إنما كل مصائبنا تختبئ في ظل مصيبة غزة الدموية الرهيبة. تحتاجون أيها الفنانون والمشاهير العرب، أن تتثقفوا حول قضايا بلدان كم. نعم، هو واجب عليكم ودور منوط بكم مقابل الشهرة والأموال التي تتقاضونهما من الشارع العام. تحتاجون أن تتحدثوا عما يحدث على بعد كيلومترات قليلة عنكم، عن مساكنكم المرفهة وحيواتكم الآمنة.

نعم، هو واجبكم ودوركم وثمن شهرتكم ومنصاتكم التي لا يملك قوتها حتى ساسة المنطقة. اليمن، السودان، سوريا، وعلى رأسهم فلسطين، يعانون نكبات دموية غير مسبوقة، معلنة وغير معلنة، وهنا يأتي دورك وواجبكم. العراق وليبيا ومصر، تمر بأزمات لا يمكن الصمت تجاهها، دول الخليج تمر بتغييرات لا يمكن تجاهلها وإن صعب وتعاظم خطر الحديث عنها.

نعلم بخطورة الحديث في كل دول العالم العربي، نعلم بالتوتر الخطر الشديد في منطقة الخليج وبالعنف السياسي والبوليسي المتصاعدين في مصر، وبالحرب المخيفة التي تشنها الأنظمة ضد شعوبها في اليمن وسوريا والسودان. لكن مازلتم تستطيعون أن تتحدثوا، أن تواربوا في بعض المواضيع وتواجهوا صراحة في أخرى وتصرخوا كما لم تصرخوا من قبل في قضية مثل قضية جريمة الإبادة المستمرة الآن في غزة.

وإذا لم يكن كل أو أي من ذلك ممكناً، يمكنكم أن تصمتوا عن التأييد الصريح “المشترى” بالأموال، عن الإعلان لعلبة مشروب دموي أو كيس شبس “أشلائي”، اعتبروها “تضحية أنانية” منكم للمحافظة على سمعاتكم، لحماية ضمائركم وأرواحكم الإنسانية من مرض قبول بل غفران الوحشية، هذا وباء خطير، ما إن يخترق أرواحكم بتبلده ولا مبالاته، حتى تموت إنسانيتكم لتتحولوا إلى بشر آليين، ناشفين كريهين لا روح لكم ولا حياة تسكنكم.

كل فنان، مشهور، مؤثر لم يكن له موقف صريح تجاه جريمة الإبادة في غزة سننفر منه مدى الحياة، وأما هذا الذي كان له موقف مساند للجريمة ولو من خلال إعلان أو مشاركة فرِحة بليدة، فهذا منته تماماً بالنسبة لنا، حتى كإنسان.