تأخذنا الكوفية الملقاة على كتف المسرحي الفلسطيني غنام غنام في دمشق، خلال عرض مسرحي وتكريم له، إلى فستان – كوفية الممثلة السورية سلاف فواخرجي، المصمَّم بنسخة معاصرة أضفت اللون الزهري على الألوان المألوفة للكوفية، وظهرت فيها الفنانة بصور احترافية، وبوضعيات احترافية متعوب عليها أمام المصور.

لكن ليس التصميم واللمسات، زهرية كانت أم زرقاء، هو ما يضع الفنانين غنام وفواخرجي في السلة ذاتها، بل التوظيف.
يُقدّر المرء عالياً أي رمز مرفوع في الغرب، حيث تُواجَه اليوم أي قماشة مرفوعة تحيل إلى فلسطين ومقاومتها في شوارعه بالاعتقال والمطاردة والغاز المسيل للدموع، والغرامة المالية في أقل الحالات.

 

لكن ماذا تعني الكوفية مرفوعةً في دمشق، ماذا ستضيف للسوريين، أو غير السوريين، سوى ادعاءٍ بالتزام القضية، تماماً كما يفعل النظام الممانع حين يجعلها ورقة بين أوراقه العديدة؛ يتحدث باسمها، فيما ينكّل بأبنائها أفظع تنكيل.

 

غنام غنام كائن خطابيّ، مسرحُه خطاب طويل بنبرة واحدة، صاخبة (إنه، للدقة، نسخة ركيكة من زيناتي قدسية). ذهبتُ إلى نسخة مصورة على يوتيوب من مسرحيته “بأم عيني 1948” التي جاء بها إلى دمشق، ووجدت العرض كله عبارة عن خطاب عالي الصوت، من دون أي مجاز، حيث الممثل يتبختر (بقوة وسطوة مكانته الوظيفية في الإمارات) في وسط حلقة من المتفرجين، معتمداً على أداء صوتي، وأداء أضعف من أن يكون حكواتياً تقليدياً، رغم سعيه لأن يكون كذلك، من دون ديكور، أو إضاءة، وبأقل القليل من تبديل الملابس. (نظرتُ بالفعل بإشفاق إلى جيل الطلبة الجديد في المعهد العالي للفنون المسرحية، كان يؤتى لهم بآريان منوشكين وعروض بيتر بروك والمسرحيين التوانسة الرائعين فبات سقف أحلامهم غنام غنام!).

لم نكن هناك لنفكّك العرض الذي احتُضن في دمشق، نتحدث فقط عن السياق الذي قدم فيه، ومعنى رفع علم فلسطيني في دمشق، ومعنى التغني الذي ملأ به غنام فضاء الإعلام السوري الرسمي، ولا كأن هذا هو النظام الذي مثّل بشعبه، دمّرَ وهجّر واعتقلَ أصحاب الكوفيات، التغني الذي يركز على استعادة الفنان لنبضه في قلب العروبة النابض: “سنأتي لدمشق، لأن دمشق هي الصوت العروبي الأساس”.
على أي حال ليس غنام غنام ذلك المبدع الذي لا يشق له غبار كي تتكئ عليه أنظمة، كما اتكأت من قبل ووظفت قصائد محمود درويش ونزار قباني وأغاني الرحابنة وسواهم. إذن ما الذي تريده دمشق من غنام غنام الداخل إلى دمشق مكرماً سبعة أيام بلياليها؟

 

غنام غنام: سنأتي لدمشق، لأن دمشق هي الصوت العروبي الأساس

الفنان المسرحي الفلسطيني هو أقرب إلى دينمو الهيئة العربية للمسرح الإماراتية، هذه التي يمكن اعتبارها اليوم المتحكمة برقبة المسرح العربي برمته، بشكل أساسي عبر مهرجان المسرح العربي، المتنقل بين العواصم العربية، بالتوازي مع المهرجانات القائمة أصلاً في قرطاج وعمّان والجزائر وبغداد.

 

لكن تلك المهرجانات باتت مهرجاناً واحداً تتحكم به تلك الهيئة عبر خدمات ودعوات متبادلة، اذهب إلى أي نسخة تشاء من تلك المهرجانات، ستجد أن أغلبية الوجوه من فنانين ونقاد وفرق وكتاب وصحافيين هم أنفسهم في كل مرة، وعلى سبيل المثال لا تحلم فرقة مسرحية محسوبة على معارضة النظام السوري أن تدعى إلى نسخة من مهرجان المسرح العربي، أو المهرجانات والفعاليات التي تتحكم به الهيئة. هذا بالإضافة إلى مطبوعات ثقافية ومجلات ومسابقات للتأليف المسرحي لن تعطى إلا إلى الأقربين.. أي جنة كاملة من عالم “البزنس”، لن يدخله مناصرو الربيع العربي والثورات العربية والمعاندون الأشداء المثابرون لإسرائيل ولاتفاقيات التطبيع معها.

أغلب الظن أن الاستقبال الاستثنائي لعضو الهيئة الإماراتية هو توطئة لعقد نسخة من مهرجان المسرح العربي قريباً، استكمالاً للتطبيع الذي بدأته الإمارات العربية المتحدة مع نظام دمشق.

 

فقد “كشف غنام (لوكالة أنباء النظام السوري) أنه يعمل مع مديرية المسارح والموسيقا في سوريا، من خلال مديرها العام عماد جلول على إقامة دورة لمهرجان المسرح العربي في دمشق، مشيراً إلى أنه كان هناك نية لأن تقام الدورة الرابعة في دمشق عام 2012 لكن بسبب الظروف التي مرت على سوريا تم نقلها إلى الأردن كون عمان قريبة من العاصمة دمشق”.

 

كوفية غنام غنام إذن ليست من أجل فلسطين، بل جزء من عملية التطبيع مع النظام، الذي لا يمكن إنكار مدى استفادته من حرب غزة، إذ بات يتصرف وكأنها جزءٌ من إنجازاته، حتى لو كان الحليف الرئيس لقادة التطبيع مع إسرائيل. يستثمرها في فتح الطريق لعودة الأبناء الضالين، أو المترددين، أو الرماديين، أو الخجلين.

من حسن الحظ أحياناً أن من يقوم على تلك العمليات هم الأقل إبداعاً، حتى لو كانوا الأكثر استئثاراً بالضوء، لا يعرف هؤلاء أنه لن يبقى في الوادي غير حجاره، وأن الزبد يذهب جفاء، مهما أطال الإقامة، حتى لو كانت إقامته ذهبية.

جناية غنام غنام أكبر من جنايات كل الذين ذهبوا من قبل إلى دمشق، لأنها تستخدم اسم فلسطين ورموزها وحكاياتها، ولم تتوقف عند “بوظة بكداش” وعصير “أبو شاكر” ومقهى “النوفرة”، وعند الادعاء بأن دمشق آمنة أكثر من نيويورك.

 

 

 

 

* كاتب من أسرة “القدس العربي”