تستمر محاكمة لاعب كرة قدم جزائري (يوسف عطال) أمام المحاكم الفرنسية بتهمة “الكراهية الدينية”، بعد أن شارك على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو واجَهَ اتهامات بـ “الدفاع عن الإرهاب والتحريض على العنف”، قبل أن يكتفى بتهمة “الكراهية الدينية”.

اللهم لا اعتراض على ضرورة محاكمة كلِّ كراهية، دينية أو عنصرية أو سواهما، أو تحريض على العنف والقتل والإيذاء. ولا بد من الاعتراف أن قوانين مكافحة العنصرية هي إنجازات لا يجب التخلي عنها.

لكن هل هنالك أوضح من استخدام تلك القوانين من أجل تكريس لا العنصرية والكراهية فحسب، بل من أجل التعمية عن أعمال العنف والقتل نفسها، فمن الولايات المتحدة إلى العديد من مدن وعواصم أوروبا ما إن ترفع رمزاً فلسطينياً، أو تدافع عن ضحية حتى تعدّ معادياً للسامية، أو محرضاً على العنف والقتل.. ولقد شهدنا العديد من عمليات إقصاء ممثلين أو نجوم كرة قدم آخرين بسبب مواقفهم من الحرب على غزة.

وعلى سبيل المثال، عندما شهد البرلمان الفرنسي أخيراً نقاشاً احتجاجياً على مقتل موظف بوزارة الخارجية الفرنسية، إثر قصف إسرائيلي على مبنى سكني به مدنيون في غزّة، قال النائب الفرنسي- الإسرائيلي مائير حبيب، تحت قبة البرلمان، وبوضوح، لمرتين: “لم ينته الأمر بعد!”، الأمر الذي اعتبره زملاؤه النواب (39 نائباً يسارياً): “تمجيداً وتبريراً لجرائم الحرب” على قطاع غزة المحاصر، بحسب رسالة بعثوا بها إلى رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، طالبوا فيها برفع الحصانة البرلمانية عن زميلهم حبيب، المنتمي إلى حزب “الجمهوريون” اليميني المحافظ، السياسي ورجل الأعمال المقرب جداً من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

أنت تحاكِم الكراهية (محاسِباً على النوايا النائية في أبعد مكان مخبوء)، أو التحريض عليها، لئلا تفلت الأمور يوماً وتصل إلى القتل والإيذاء البدني. طيب، ما تقول أمام 20 ألفاً و424 من الشهداء، و54 ألفاً و36 جريحاً، معظمهم أطفال ونساء، بحسب إحصاءات رسمية، يتوقع أن تكون أرقامها الفعلية مضاعفة مرات؟!

والأهم أن الجهات نفسها التي تدافع عن القتل، وتجد له المسوّغات، وتذرُ رماد الأسئلة المزيفة والملفقة في العيون، هي ذاتها من يتنطّح لرفع دعاوى ومحاكمات.

؟

وائل عرفات

 

نشاهد مقابلة على “بي بي سي” مع الشاب الفلسطيني البريطاني وائل عرفات (عمره 28 عاماً) المضرب عن الطعام منذ 59 يوماً (عند إجراء المقابلة) بعد استشهاد عائلته في غزة، خسر خلالها قرابة 20 كيلوغراماً من وزنه (و20 ألفاً من أبناء وطنه)، وهو في حال صحية متدهورة.

لا يريد الشاب الغزي (المتبنّى من عائلة بريطانية مذ فَقَدَ أسرته وهو في عمر الـ14) إلا إيقاف إطلاق النار كي يعود إلى الحياة. وربما يعلم وائل أكثر منا جميعاً أن إضرابه، الذي يشكّل خطراً شديداً على حياته، لن يزحزح الحكومة البريطانية عن دعمها لإسرائيل في حربها المدمرة، كما لن يؤثر في الفيتو الأمريكي، ولا في مواقف وردود فعل الحكومات العربية، التي لم تطرد سفيراً، أو تغلق سفارة لإسرائيل. لكن لربما كان وائل، شأنه شأن ملايين المعذبين حول العالم، لا يتحمّلون مشهد الدم هذا من دون أن يفعلوا شيئاً، حتى لو كانوا على يقين أن هذا الشيء لن يزيح قطرةً في مشهد الدم.

؟

أن تمنع السماء من السقوط

 

كان هذا أيضاً شأن شابة فرنسية، تثابر كل سبت على الخروج في تظاهرات لدعم الفلسطينيين في باريس، عندما قالت لي (بالفرنسية): “أنا حزينة، ولا أستطيع أن أفهم ما يجري”.

قالت عبارتها، ولاحظتُ رجفةً في الصوت، خصوصاً عندما كررتِ الجزء الأخير: “لا أستطيع أن أفهم ما يجري”.

بعدها بقليل عادت إليّ وبيدها وريقة وقلم، لتقول: “اُكتبْ لي، رجاءً، بالعربية ما قلتُه لكَ قبل قليل”.

فأكتبُ: “أنا حزينة”.

قالت: “كثيراً”. فأضفتُ.

“وغاضبة”..

حَمَلت البنت الفرنسية النحيلة عبارتها “أنا حزينة جداً، وغاضبة”، ومضت.

البنت لم تفقد أياً من أفراد عائلتها في هذه الحرب على غزة، ولا في أي حرب سابقة، كما حدث لوائل عرفات، غير أن الصبية الغاضبة لا تطيق انتظار سبت المظاهرات. لا تتحمل استمرار العالم كالمعتاد، فيما مشهد الدم والصور مستمر في التدفق.

تريد، على الأقل، أن تملأ العالم باللافتات، همساً أو صراخاً. أحسّ بها، كأنها ذلك العصفور الهش الذي يجاهد كي يمنع السماء من السقوط.

؟

؟

؟

*كاتب من أسرة تحرير “القدس العربي”

؟

؟

؟

؟

؟