بنبرة يعلوها السخط واليأس، أطلّ شاب لبناني، عبر فيديو، ليسأل إن كان هناك من يستطيع أن يعيد إليه حقه في بلد «كلها زعران وبلطجية»، بحسبه، الدولة؟ الحزب؟
جاء الفيديو بعد أن تعرّض الشاب لاعتداءين، بسبب رد فعله التلقائي عندما سمع أن قصفاً قريباً من بيته أثار هلع العائلة، وعرّضَ ابنته لخطر الموت. عندما جاءه الخبر، وسمع ورأى عبر مكالمة فيديو ذعر أهل بيته، فيما هو في نادٍ رياضي، طار صوابه، فصرخ، واستنكر أن يعرّض الحزب المدنيين للقصف، استنكر أن يمرّ المقاتلون في حيّ مدني.

لم يخطر بباله أن «الجيم» سيستنفر، فيهاجمه بعضُ «زملاء» النادي بالضرب والشتائم والتهديد. لتعاد الكرة مجدداً في المساء عندما باغتتْه مجموعة أخرى جاءته إلى المقهى خصيصاً على دراجات نارية، ليهاجمه حوالى 15 شاباً، مسلّحين بالسكاكين، مع عبارات: «ليش عم تسبّ السيد»، و»أنت مش قد السيد».. لينتهي المشهد باعتداء جديد بالضرب.
يسأل الشاب في الفيديو، بنبرة خفيضة، ويائسة من أيّ حلّ، ما دام لم يتدخل أحدٌ في الأساس فيما هو يأكل العلقة، وبالتالي ليس من المتوقع أن يتدخل أحدٌ ليحميه إن كان على مستوى الدولة أو الحزب: «هل هكذا نحرر غزة؟ هل هكذا نقاوم الظلم والفساد؟ هل هكذا نبني وطناً؟».
تخيّل أن «المقاومة»، المشغولة إلى هذا الحدّ بمقارعة إسرائيل، على الحدود اللبنانية الجنوبية، لديها فائض من الوقت لترسل مجموعة من السكاكين لتخرس شاباً احتجّ، في لحظة غضب خارجة عن السيطرة، وفي لحظة أحوج ما يكون فيها الحزب لترميم صورته في عيون شعبه، تلك التي أفقدته صورة المقاوم، إن لم نقل أكثر، عبر سنوات من نهج الاغتيال وترويع الخصوم والقمصان السود وتصدير القتل ومنع العدالة من أخذ مجراها، بدءاً من عرقلة التحقيق والمحاكمات بالاغتيالات إلى تفجير مرفأ بيروت، إلى سواها من ارتكابات متواصلة.
الاعتداء على الشاب اللبناني ليس زلة لسان، أو غضب مقابل زلة لسان، فما دام البلاطجة قد عادوا في المساء لتأديب الأب الشاب الغاضب، والخائف على مصير ابنته، فهم يؤكدون أن السكاكين مسنونة، والنوايا معقودة بكامل الوعي والإرادة.
نهجٌ ليس بحاجة إلى أي إثبات على أي حال، ما دام مشفوعاً بسوابق في سنوات سالفة، مثلما الآن في فيديوهات راهنة.
لا تكفي مقارعة إسرائيل حجةً لاضطهاد الناس وظلمهم، لا تكفي أيُّ حجة مهما كانت، ما دمنا نقاوم في إسرائيل صورة الظالم والمنتهك وسارق الأرض ومرتكب المجازر والجرائم بحق شعب.

؟

إعادة إعمار الخوف

؟

انظروا إلى عائلات الأسرى الإسرائيليين؛ لم تهدأ منذ اللحظة الأولى للحرب؛ أغلَقوا الشوارع، أشعلوا النار، هاجموا إقامة رئيس حكومتهم، هاجموا زوجته، وزيرَ حربهم، اشتكوا لمسؤولين دوليين، هناك فيديوهات متداولة لبعضهم يشتمون قياداتهم وجهاً لوجه، ولا يملك هؤلاء، القيادات، إلا هزّ الرأس والاستماع.
ما زال الحزب يتصرف وكأن كلّ مقارعته لإسرائيل ما هي إلا لترويع وتركيع الداخل اللبناني، والحقيقة أن هذا ليس مجرد ادعاء من قِبَلِه، هذا بالفعل ما يرمي إليه، يعرف أن المعركة مع إسرائيل ستتوقف الآن وليس غداً، والأهم بالنسبة له ضمان استتباب الخوف، هذا الذي اشتغل على إعماره عقوداً.

أول مقومات الصمود هم الناس، قبل البنى التحتية والخدمات، وإذا كان هذا ما بدأ به أنصار الحزب، حتى قبل دخوله الحرب الكبرى التي يتوعد بها الإسرائيليون، فما بالك في عزّ المعركة!
الحزب مسؤولٌ أول عن تدمير بنى لبنان التحتية، لقد ثابر بعناد على ذلك، وما التغني بتدميرها سوى عار آخر، خصوصاً إن جاء بحجة مقاومة إسرائيل.
يقول اللبنانيون ماذا أعدّ الحزب من بنى للمواجهة، والسؤال الأولى اليوم ماذا ترك الحزب من أصدقاء يقاوم بهم، يسندون ظهره، يثقون حقاً بأن أي انتصار محتمل لن يكون من جلودهم، وعلى حسابهم، ولن يزيد من ظلمهم ويحطّ من كرامتهم، ويعرضهم لاعتداءات في الشارع كلّما رفعوا الصوت.
في وقت من الأوقات، هبّت حاضنة الحزب نفسها بالغضب، نتذكر من بينها غضبة لحيّ السلم، وباتت مشهورة فيديوهات وخطب شعبية ساخطة، وسرعان ما أخمدت، بل إن القمصان السود لم تبيّت الأمر إلا بفيديوهات مضادة ظهر فيها المعترضون أنفسهم يعتذرون، ويستسمحون، وكان واضحاً ما تعرضوا له من تهديد، وربما من اعتداء فعلي.
لا نريد استعادة الكلمات المذلة التي رددها هؤلاء المعتذرون، كانت كلمات تهين اللغة نفسها، ولم يخجل البلاطجة في إجبار ضحاياهم (حاضنتهم في النهاية) على النطق بها على الملأ.
كيف لنا أن نصدّق سعيكم إلى حروب عادلة!

؟

؟

؟

؟

؟

؟

كاتب من أسرة “القدس العربي”