
حقيقة احتجاجات طلاب الثانويات في فرنسا
غضبٌ على انهيار المدرسة لا مؤامرة سياسية
لم تبدأ احتجاجات طلاب الثانويات في فرنسا بسبب تحريض سياسي عابر، ولا يمكن اختزالها في مشاهد العنف التي رافقت بعضها. جوهر الاحتجاجات، وفق المعطيات الواردة في التسجيل، يتمثل في أزمة تعليمية متراكمة: نقص المدرّسين، غياب البدائل، اكتظاظ الصفوف، تدهور المباني المدرسية، ومخاوف متزايدة من مستقبل دراسي ومهني بات يبدو غامضًا لآلاف الطلاب.
بدأت التحركات في 21 سبتمبر/أيلول من ثانوية سانت إكزوبيري في كيتّي، بعدما احتج الطلاب على نقص المدرّسين وغياب معلمين من دون تعويضهم. وسرعان ما انتقلت الاحتجاجات إلى مدارس أخرى في منطقة باريس، ثم إلى مدن فرنسية مختلفة. وبعد ثمانية أيام، أعلنت وزارة التربية أن 416 مؤسسة تعليمية تأثرت بتحركات أو اضطرابات، في مؤشر على أن القضية تجاوزت حدود مدرسة واحدة وتحولت إلى غضب جماعي.
من حقّ التعليم إلى القلق على المستقبل
يبدو المطلب الأول بسيطًا ومشروعًا: الطالب يذهب إلى المدرسة ليتعلم، لكن المدرّس الذي يفترض أن يعلّمه غير موجود. غير أن هذا النقص لا يقف عند حدود الحصة الدراسية؛ فهو يضرب حق الطلاب في تعليم متكافئ، ويزيد الفوارق بين المناطق والمدارس.
وتتحدث المطالب، بحسب التسجيل، عن صفوف مكتظة، ومبانٍ مدرسية في حالة سيئة، ومشكلات في مياه الشرب داخل بعض المؤسسات. كما يتصل الغضب بمنصة Parcoursup، التي يعتمدها طلاب الثانويات للتقدم إلى التعليم العالي. فحين يعيش الطالب في مؤسسة تفتقر إلى المدرسين والموارد، يصبح القلق على المستقبل نتيجة طبيعية، لا شعارًا سياسيًا مصطنعًا.
الطلاب لا يحتاجون إلى وصاية سياسية
حاولت الحكومة وأحزاب يمينية اتهام أطراف من اليسار بتحريض الطلاب، بينما نفى اليسار ذلك وأعلن دعمه لمطالبهم وحقهم في الاحتجاج. لكن اختزال الحركة في صراع بين اليمين واليسار يتجاهل الحقيقة الأساسية: الطلاب خرجوا من مدارسهم لأن مشكلات يومية وملموسة دفعتهم إلى الشارع.
فالسؤال «أين المدرّس؟» تعليمي، لكن السؤال «لماذا لا تؤمّن الدولة مدرّسين؟» سياسي بامتياز. وكذلك السؤال عن سبب تفاوت ظروف التعليم بين منطقة وأخرى. لذلك فإن دخول السياسة إلى المشهد لا يعني أن الطلاب صُنعوا سياسيًا من الخارج؛ بل يعني أن أزمة المدرسة نفسها أصبحت قضية عامة ومسؤولية حكومية.
وسائل التواصل نشرت الغضب ولم تصنعه
ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في نقل صور الاحتجاج من مدرسة إلى أخرى، وشجعت طلابًا يواجهون الظروف نفسها على تنظيم تحركات مماثلة. غير أن السلطات، وفق ما ورد في المادة، تحدثت عن دور وسائل التواصل في تسريع الانتشار، فيما قالت وكالة Viginum الفرنسية المكلفة برصد حملات التلاعب المعلوماتي إنها لم ترصد دليلًا على تضخيم اصطناعي للحركة من جهات أجنبية.
والخلاصة أن المنصات الرقمية سرّعت انتشار الاحتجاجات، لكنها ل

م تخلق أسبابها. الغضب كان موجودًا داخل المدارس قبل أن تظهر صوره على الشاشات.
حركة متعددة المطالب وليست بلا قضية
لا يرفع جميع الطلاب المطالب نفسها. ففي بعض المدارس يتركز الاحتجاج على نقص المدرسين والموارد، وفي مدارس أخرى على ظروف الدراسة والمباني. كما دخلت في بعض التحركات مطالب سياسية أوسع، بينها قضايا مرتبطة بغزة والشرطة والقوانين الأمنية. وهذا التنوع لا يلغي مشروعية الحركة؛ بل يكشف اتساع الأزمة وتعدد وجوهها.
إنها ليست حركة ذات قيادة واحدة أو بيان واحد، بل مجموعة احتجاجات التقت في لحظة واحدة حول شعور مشترك: أن المؤسسات المسؤولة لم تعد تستجيب بما يكفي لاحتياجات الطلاب.
العنف لا يلغي أصل القضية
بقيت تحركات عدة سلمية، فيما شهدت أماكن أخرى أعمال تخريب ومواجهات مع الشرطة. وأعلنت الشرطة في 29 سبتمبر/أيلول توقيف 440 شخصًا على هامش الاحتجاجات، مع تسجيل إصابات بين الشرطة والطلاب وبعض العاملين في التعليم.
لا يمكن تبرير الاعتداء على الأشخاص أو تخريب الممتلكات، لكن إدانة العنف لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإسكات المطالب. فالحكومة تقول إن العنف خط أحمر، وهذا صحيح؛ غير أن تجاهل نقص المدرسين وتدهور المدارس والقلق على المستقبل خطأ سياسي واجتماعي لا يقل خطورة.
الحقيقة التي لا ينبغي إخفاؤها
طلاب الثانويات لم يخترعوا أزمة المدرسة الفرنسية؛ هم جعلوا أزمة قديمة مرئية أمام الرأي العام. إنهم لا يملكون نقابات قوية تمثلهم، ولا يملكون نفوذًا سياسيًا واسعًا، ولا يحق لمعظمهم التصويت. لذلك يصبح الشارع، بالنسبة إليهم، إحدى الأدوات القليلة لإيصال صوتهم.
قد تتمكن الحكومة من تهدئة الاحتجاجات مؤقتًا، لكن التهدئة لن تعالج الغضب إذا عاد الطالب إلى مدرسة بلا مدرس، وصف مكتظ، ومبنى متدهور، ومستقبل غير واضح. الحل الحقيقي لا يكمن في إغلاق بوابات المدارس أو في تحويل الطلاب إلى متهمين، بل في الاستماع إليهم، وتوفير المدرسين، وتحسين البنية المدرسية، وضمان المساواة بين الطلاب والمناطق.
خاص – باريس – مرهف مينو



