
“الكامب الصيني” في الشدادي.. كارثة إنسانية تتكشف
في منطقة الشدادي بريف الحسكة السورية، تتكشف فصول مأساة إنسانية جديدة داخل ما يُعرف بـ”الكامب الصيني”، وهو سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بدعم من التحالف الدولي، لاحتجاز المتهمين بالانتماء لتنظيم الدولة الإسلامية. مؤخراً، ومع اكتشاف مقبرة جماعية بالقرب من السجن، تتصاعد الدعوات لإجراء تحقيق شفاف وشامل في الانتهاكات الجسيمة التي وثقتها منظمة العفو الدولية، والتي تشمل الوفيات الجماعية، والتعذيب، وظروف الاحتجاز اللاإنسانية.

سجن في قلب الصحراء
يقع “الكامب الصيني” في بيئة شبه صحراوية بمدينة الشدادي، وقد استخدمته “قسد” كمنشأة لاحتجاز الآلاف من الأشخاص. تشير التقديرات إلى أنه كان يضم ما بين 3 آلاف و4 آلاف محتجز قبل عام 2022، لينخفض العدد إلى حوالي 800 في عام 2023. وقد كشف تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في أبريل 2024، بعنوان “في أعقاب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية: ظلم وتعذيب وموت أثناء الاحتجاز في شمال شرق سوريا”، عن تفاصيل مروعة حول ما يدور داخل هذه المنشأة وغيرها من مراكز الاحتجاز التابعة لـ”قسد” والتحالف.
شهادات مروعة
تتحدث شهادات الناجين التي جمعتها منظمة العفو الدولية عن مئات، وربما أكثر، من المحتجزين الذين توفوا أو قُتلوا خلال فترة احتجازهم. يروي أحد الشهود، ويدعى عباس، كيف كان يُجبر على لف جثث المتوفين بالبلاستيك ووضعها في أكياس، مشيراً إلى أنه لف 25 جثة في يوم واحد داخل أحد أقسام السجن. وتتقاطع هذه الشهادات مع ما تم العثور عليه مؤخراً من جثث ملفوفة بأكياس بلاستيكية صفراء.
ومن بين أسباب الوفاة الموثقة، حادثة اختناق جماعي وقعت في عام 2020 بسبب انقطاع الكهرباء عن السجن في فصل الصيف، ما أدى إلى توقف مراوح طرد الهواء الفاسد. ويذكر شاهد عيان أن 17 شخصاً ماتوا في يوم واحد داخل زنزانة واحدة بسبب هذا الحادث، وبعضهم نزف دماً من آذانهم وعيونهم، وهي رواية أكدت صحتها المنظمة بعد التحقق منها مع أطباء. كما تشمل أسباب الوفاة سوء التغذية، والتعذيب، والبرد، والافتقار إلى الهواء، وفقاً لشهادات أخرى.

اكتشاف المقبرة الجماعية
في تطور حديث، عثر الأهالي على رفات تسعة أشخاص بالقرب من سجن “الكامب الصيني”، في موقع يُعتقد أنه المقبرة الجماعية التي أظهرتها صور الأقمار الصناعية في تقرير منظمة العفو الدولية، والتي تغير شكلها بين عامي 2019 و2023. هذا الاكتشاف يعزز المخاوف بشأن وجود مئات الجثث المدفونة في المنطقة، ويسلط الضوء على الحاجة الملحة لتحقيق دولي في هذه الجرائم.
يؤكد تقرير منظمة العفو الدولية أن سلطات الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ارتكبت جرائم حرب تتمثل في التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، ويُحتمل أن تكون قد ارتكبت جريمة القتل العمد. كما يشير التقرير إلى أن عدداً كبيراً من المحتجزين قد يكونون اعتُقلوا خطأً بناءً على بلاغات زائفة، دون صلة فعلية بتنظيم الدولة الإسلامية.
وتدعو المنظمة إلى إجراء تحقيق فوري ومستقل في جميع الوفيات والانتهاكات، وتحديد الأفراد الذين ينبغي الإفراج عنهم فوراً، مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للخطر. كما تطالب بوضع استراتيجية شاملة لضمان امتثال منظومة الاحتجاز للقانون الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

مسؤولية دولية لا يمكن تجاهلها
لعب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة دوراً محورياً في إنشاء واستمرار منظومة الاحتجاز، من خلال تمويل وتجديد المنشآت، وتقديم الدعم لقوات “قسد”. ورغم بعض الجهود لتحسين الظروف، إلا أن هذه التدخلات لم ترقَ إلى المعايير المطلوبة دولياً، ما يضع التحالف في دائرة المسؤولية المشتركة.



