
«أبيات هيلز».. اكتتاب بملايين الدولارات يبدأ بإذلال المستثمرين تحت الشمس
دمشق – خاص
في مشهد يصعب أن ينسجم مع الصورة التي يُفترض أن تقدمها المشاريع العقارية الحديثة، يواجه مواطنون سوريون تقدموا للاكتتاب على وحدات سكنية في مشروع «أبيات هيلز» ظروفًا قاسية خلال عملية الانتظار، بعدما وجدوا أنفسهم في الشارع وتحت أشعة الشمس، داخل خيمة شعرية تفتقر، وفق ما يظهر في المشاهد المتداولة، إلى أبسط مقومات استقبال العملاء والخدمات الأساسية.
المفارقة أن الأمر لا يتعلق بمعاملة إدارية عادية أو خدمة مجانية، وإنما بمشروع عقاري تستهدف وحداته شريحة من المستثمرين الراغبين بدفع مبالغ كبيرة لقاء شراء مساكن، وسط معلومات متداولة تتحدث عن بيع نحو 2000 وحدة سكنية، وبأسعار تبدأ من قرابة 140 ألف دولار للوحدة.
وبمعزل عن دقة أرقام المبيعات التي تحتاج إلى تأكيد رسمي من الشركة، فإن طريقة تنظيم عملية الاكتتاب، كما تظهر في المشاهد المتداولة، تطرح أسئلة جدية حول مستوى المهنية واحترام المستثمر الذي يأتي حاملاً أمواله لاتخاذ قرار مالي كبير.
عندما يكون سعر الوحدة 140 ألف دولار.. تصبح كرامة المستثمر جزءًا من الخدمة
من الصعب تبرير أن يأتي شخص لشراء وحدة سكنية بمبلغ يبدأ من 140 ألف دولار، ثم تكون أول تجربة له مع المشروع هي الانتظار في الشارع وتحت الشمس وفي مكان لا يوفر الحد الأدنى من الراحة والتنظيم.
المسألة هنا ليست رفاهية.
إنشاء مكتب مبيعات مؤقت مجهز، وتحديد مواعيد مسبقة، وتأمين صالات مكيفة، وتنظيم دخول المراجعين، وتوفير موظفين متخصصين لشرح تفاصيل الوحدات، كلها أمور أساسية في أي عملية بيع عقاري احترافية بهذا الحجم.
أما ترك مئات الراغبين بالشراء يتجمعون في ظروف غير لائقة، فيعطي انطباعًا مؤسفًا بأن الشركة تتعامل مع المتقدمين باعتبارهم أرقامًا في طابور اكتتاب، لا عملاء سيدفعون ثمنًا باهظًا مقابل عقار يفترض أن يكون استثمارًا طويل الأمد.
المستثمر لا يطلب معروفًا
المستثمر الذي يأتي إلى المشروع لا يطلب خدمة مجانية ولا منّة من أحد. إنه يأتي ليدفع أمواله.
ومن الطبيعي أن يسأل قبل الدفع عن كل تفصيل يتعلق بالوحدة التي سيشتريها: موقعها، مساحتها، طابقها، إطلالتها، سعرها، ونوعية المواد المستخدمة في البناء.
بل إن الأسئلة الفنية أكثر أهمية: ما نظام العزل الحراري والصوتي والمائي؟ ما نوع الخرسانة؟ ما نظام التكييف؟ وما المعايير المعتمدة في مقاومة الزلازل؟
هذه ليست أسئلة ترفية، وإنما معلومات أساسية يفترض أن تكون متاحة بوضوح أمام أي شخص يُطلب منه دفع عشرات أو مئات آلاف الدولارات.
المشهد المتداول لا يطرح مشكلة الخيمة وحدها، وإنما يكشف سؤالًا أكبر حول فلسفة إدارة عملية الاكتتاب بأكملها.
إذا كانت الشركة قادرة على تسويق مشروع بهذا الحجم، فلماذا لم تستطع أن تؤسس تجربة بيع توازي حجم المشروع وقيمة الوحدات؟
أين نموذج مكتب المبيعات الاحترافي؟ أين نظام حجز المواعيد؟ أين المجسم الهندسي الكامل؟
أين المواد التعريفية التي تسمح للمستثمر بمقارنة الوحدات وفهم فروقات الأسعار والإطلالات والمواقع؟
وأين الصور والفيديوهات والمعلومات الفنية التي يفترض أن تساعد المواطن على اتخاذ قرار مدروس قبل دفع أمواله؟
المشروع العقاري الحديث لا يبدأ عند صب أول متر من الإسمنت، ولا ينتهي عند تسليم المفتاح؛ بل يبدأ من اللحظة التي يقف فيها المستثمر أمام الشركة ويقرر أن يضع مدخراته وثقته فيها.
ومن هنا، فإن طريقة استقبال المستثمرين ليست تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاهله، بل هي أول اختبار حقيقي لاحترافية الشركة.
أما أن تبدأ العلاقة بين الشركة والعميل بالوقوف تحت الشمس وفي ظروف تفتقر إلى التنظيم والخدمات، ثم يُطلب من هذا العميل أن يثق بمشروع سيدفع فيه 140 ألف دولار أو أكثر، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة جدية.
السوري الذي جاء ليشتري بيتًا ليس مجرد رقم في قائمة اكتتاب، وأمواله ليست مبررًا للتعامل معه باستخفاف.
وإذا كانت المعلومات المتداولة عن حجم الإقبال وبيع نحو 2000 وحدة صحيحة، فإن المسؤولية تصبح أكبر، لا أصغر، لأن حجم الأموال والثقة التي يضعها المواطنون في المشروع يفرض مستوى أعلى بكثير من التنظيم والشفافية والاحترام.
ويبقى السؤال المطروح أمام الشركة: هل هذه هي الصورة التي تريد تقديمها عن مشروعها؟ وهل تعتقد أن طريقة استقبال من سيدفع 140 ألف دولار أو أكثر تعكس فعلًا مستوى المشروع الذي تسوّقه؟



