عامين من التحرير.. حمص تعيش على المسكنات وتنتظر علاجاً حقيقياً

بين أحياء مدمرة ومركز مزدهر.. فجوة الخدمات تعيد رسم خريطة المدينة

علي فجر المحمد – مرهف مينو – حمص

يجلس “محمد الطالب” أمام منزله في حي دير بعلبة بمدينة حمص، وقدمه مبتورة بعد إصابة تعرض لها خلال معارك ريف حماة.

لم يخرج من منزله بحثاً عن ظل أو هواء ، بل بحثاً عن شيء أصبح رفاهية في بعض أحياء المدينة ، شبكة هاتف.

يقول محمد لـ”أحوال”: “لا توجد تغطية داخل المنزل ، لذلك أخرج إلى الشارع لأتأكد إن كانت وصلتني رسالة من ابني”.

المشهد يحمل مفارقة قاسية ، ففي وسط المدينة – حي الغوطة – ، كانت ورشات تعمل على تمديد كبل ضوئي لأحد المنازل ، بينما ما زالت مناطق كاملة تنتظر أبسط مقومات الاتصال والخدمات.

بعد عامين على التحرير، لا تزال أزمة الخدمات في حمص تراوح مكانها ، بل ازدادت تعقيداً مع ارتفاع عدد السكان وعودة قسم من الأهالي إلى أحياء تعرضت للدمار خلال سنوات الثورة، ما عمّق الفجوة بين أحياء استعادت جزءاً من عافيتها وأخرى ما زالت تعيش آثار الخراب.

“حمص و Homs”.. مصطلح يكشف الانقسام داخل المدينة

لم تعد الفجوة بين أحياء حمص مجرد اختلاف في مستوى الخدمات، بل تحولت إلى واقع اجتماعي يصفه بعض السكان بمصطلح “حمص وHoms”، في إشارة إلى التباين بين أحياء وسط المدينة التي حافظت على بنيتها بشكل أكبر، والأحياء التي تعرضت للدمار وعاد سكانها ليجدوا أنفسهم أمام قائمة طويلة من الاحتياجات المؤجلة.

حمص اليوم تشبه مريضاً أنهكه المرض ، فيما يجري التعامل مع أزماته عبر حلول تجميلية ، تأهيل نصف شارع هنا، إصلاح رصيف هناك ، أو إطلاق وعود جديدة يعرف السكان انها حبر على ورق ، بينما تبقى المشاكل الأساسية دون معالجة جذرية.

أحياء مدمرة تنتظر إعادة الحياة

جولة ميدانية في أحياء الخالدية والبياضة وكرم الزيتون ودير بعلبة وعشيرة وغيرها ، تكشف حجم الفجوة بين ما يحتاجه السكان وما تم إنجازه فعلياً.

القمامة في الشوارع ، وجبال الركام مسيطرة ، وكابلات الكهرباء تتدلى بشكل يشكل خطراً على المارة ، فيما يعاني السكان من ضعف المياه نتيجة تهالك الشبكات ، إضافة إلى غياب خدمات أساسية كثيرة .

أما المدارس، فما زال معظمها مهدما أو بحاجة إلى إعادة تأهيل ، في وقت يقترب فيه موعد بدء العام الدراسي.

رغم قسوة الواقع ، يبقى الجانب المشرق هو قدرة الأهالي على الصمود ومحاولاتهم الفردية لإعادة ترميم منازلهم وأحيائهم بإمكاناتهم المحدودة.

الفوضى تحكم الشوارع

في حمص ، يشعر كثير من السكان أن الخدمات الأساسية تُترك لمبادرات فردية ، حتى باتت الفوضى المرورية جزءاً من المشهد اليومي.

تحذيرات قيادة الأمن الداخلي في حمص من وجود تقاطعات مرورية خطرة كشفت جانباً من المشكلة ، إلا أن الحلول ما زالت غائبة.

في تقاطع مستوصف باب الدريب ودوار الفاخورة ، يمكن رؤية حجم الفوضى بوضوح ، سيارات ودراجات نارية تعبر من دون تنظيم ، فيما يرى السكان أن معالجة الأمر لا يحتاج إلى مشاريع ضخمة ، بل إلى إجراءات بسيطة كتنظيم الإشارات المرورية وتعزيز وجود شرطة المرور.

إلى جانب ذلك، بات انتشار الدراجات النارية مصدر إزعاج للكثير من الأهالي ، بسبب الضوضاء والفوضى والحوادث اليومية ، وسط مطالبات متزايدة بضبط استخدامها داخل المدينة.

الرصاص يحصد حياة العائدين

لم تكن قصة “خليفة عذاب العذاب” مجرد حادثة إطلاق نار عابرة ، بل مثالاً على واقع أمني يثير قلق السكان.

خليفة عاد مؤخراً إلى حمص برفقة والدته بعد سنوات من اللجوء في لبنان ، ليجد منزله مدمراً ، ما دفعهما إلى نصب خيمة فوق سطح المنزل ريثما يتمكنان من إعادة تأهيله.

لكن رحلة العودة توقفت برصاصة طائشة أطلقت خلال حفل زفاف ، أنهت حياة الشاب وتركت عائلته أمام مأساة جديدة.

وخلال الأشهر الماضية ، تكررت حوادث القتل وإطلاق النار العشوائي ، وسط مطالبات شعبية بكشف ملابسات هذه الجرائم وضبط انتشار السلاح والفوضى الأمنية.

الإيجارات تعيق عودة النازحين

لا تقف عودة سكان حمص عند حدود إعادة إعمار المنازل المدمرة ، بل تصطدم بعائق آخر يتمثل في ارتفاع أسعار الإيجارات.

يقول أبو عبدو، صاحب محل ألبان وأجبان من أبناء حمص في الشمال ، لـ”أحوال “: حاولت العودة إلى مدينتي ، لكن ارتفاع إيجارات المنازل والمحلات التجارية جعل الأمر مستحيلاً ، فلا أستطيع تحمل دفع إيجارين مرتفعين.

تعد حمص من المدن السورية التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار الإيجارات ، الأمر الذي يؤخر عودة كثير من الأهالي ، خصوصاً أولئك الذين ما زالوا يعيشون في المخيمات أو خارج المدينة.

 

كما لا تزال أسواق رئيسية ، بينها سوق حمص وسط البلد ، تعاني من ركود واضح مع استمرار إغلاق عدد من المحال التجارية ، وسط غياب حلول فعالة لإعادة النشاط الاقتصادي إلى قلب المدينة.

عامان من الوعود.. والمدينة تنتظر خطة إنقاذ

بعد عامين من التحرير، وتغيير المحافظ ، ومحاولات مجلس المدينة البائسة تحسين الواقع عبر مشاريع محدودة ، يرى كثير من السكان أن حمص بحاجة إلى ما هو أبعد من عمليات تجميل مؤقتة.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى أرصفة جديدة أو دوارات مؤهلة ، بل إلى خطة شاملة تعالج ملفات الخدمات ، وإعادة الإعمار، وتنظيم المدينة ، وضبط الأمن ، وتوفير ظروف حقيقية لعودة أهلها.
في حمص ، لا تزال الأسئلة أكبر من الإجابات ، ويبقى آلاف السكان ينتظرون أن تتحول الوعود إلى أفعال ، وأن تنتقل المدينة من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة التعافي الحقيقي.

 

 

بالتزامن مع جريدة احوال 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى