لا تختبئوا خلف عبارة “لا يمثلنا” … مرهف مينو

 

لا تختبئوا اليوم خلف عبارة “لا يمثلنا”. هذه العبارة لم تعد تكفي ولن تمحو صمتكم حين كانت الجرائم تُرتكب أمام أعينكم وباسم جماعتكم.

أنتم لم تخرجوا عندما كان الكلام واجباً، ولم تتبرؤوا عندما كان الدم يُسفك ولم ترفعوا أصواتكم عندما كان الضحايا ينتظرون موقفاً واضحاً. لكنكم بعد أن انكشفت الجرائم وتغيّرت الظروف، تذكّرتم فجأة أن القتلة “لا يمثلونكم”.

هذا ليس موقفاً شجاعاً بل نفاق مكشوف. التبرؤ بعد انكشاف الجريمة للعلن لا يساوي شيئاً إذا سبقه صمت طويل، أو تبرير أو خوف أو انتظار لمعرفة الجهة المنتصرة. من لم يقل “لا يمثلنا” في لحظة الجريمة، لا يملك أن يقدّم نفسه لاحقاً بوصفه بريئاً تماماً من تبعاتها.

نعم، لا يعني ذلك أن كل فرد شارك بيده في الجريمة، لكنه يعني أن الجماعة تتحمل وزر موقفها منها: تتحمل وزر صمتها، وترددها، وتغطيتها، وتبرؤها المتأخر.

فالجريمة التي تُرتكب باسم جماعة لا تصبح بلا صاحب عندما يقرر أبناؤها التنصل منها بعد فوات الأوان.

ما جرى في السويداء لا يمكن دفنه تحت بيانات خجولة أو عبارات انتقائية. أين كنتم عندما وقعت الجرائم؟ أين كانت الأصوات التي تملك الشجاعة لتقول إن ما يحدث لا يمثل أهل السويداء ولا يمثل الدروز؟ أين الناشطون والجمعيات والشخصيات العامة؟ لماذا لم نسمع مواقف صريحة في وقتها؟ ولماذا يُطلب من الآخرين أن يتحدثوا باسمكم بينما أنتم صامتون؟

كان المطلوب موقفاً واضحاً، لا مناورة : إدانة صريحة، وتسمية الأفعال بأسمائها، ورفض من ارتكبها أو بررها أو تستر عليها. أما الصمت، ثم الظهور بعد ذلك في ثوب الضحية والبريء فهو محاولة رخيصة للتهرب من المسؤولية.

الأمر نفسه ينطبق على العلويين خلال سنوات حكم بشار الأسد. حين كان الأسد يقتل السوريين ويهجّرهم ويعتقلهم ويدمر مدنهم لم يكن كافياً أن يصمت أبناء طائفته ثم يخرجوا بعد هروبه أو سقوطه ليقولوا : “لم يكن يمثلنا”. أين كانت أصواتكم عندما كان القتل مستمراً؟ أين كان رفضكم حين كان النظام يتحدث باسمكم ويستخدم طائفتكم غطاءً لجرائمه؟

من السهل جداً أن تتبرأ من المجرم بعد أن يصبح عبئاً، ومن السهل أن تدّعي أنك كنت ضده بعدما يتراجع نفوذه. الصعب هو أن تواجهه وهو قوي وأن تقول إن القاتل من جماعتك لا يمثلها، وإن الظالم الذي يرفع رايتها عدو لها قبل أن يكون عدواً لضحاياه.

لا يمكن أن تطالبوا الآخرين بعدم التعميم، ثم ترفضوا أن تتحملوا أي مسؤولية جماعية عن الصمت والتستر. لا يمكن أن تستفيدوا من اسم الطائفة عندما يمنحكم قوة سياسية أو معنوية، ثم تتخلوا عنه عندما تُرتكب الجرائم باسمها. إذا كنتم ترفضون أن يتحدث أحد باسمكم فقولوا ذلك في اللحظة التي يبدأ فيها بالقتل والتحريض، لا بعد أن يصبح التبرؤ منه آمناً ومجانياً.

المسألة ليست طائفية، بل أخلاقية كل جماعة مطالبة بأن تحاسب أبناءها، وأن ترفض الظلم حين يصدر من داخلها، لا أن تبحث عن الأعذار وتوزع المسؤولية على الآخرين. من يفضح الجريمة عندما تقع ليس كمن يصمت. ومن يواجه أبناء جماعته ليس كمن يحميهم.

ومن يعلن رفضه للظلم حين يكون ذلك مكلفاً ليس كمن يتبرأ منه بعدما يصبح مكروهاً من الجميع.

أما الخطاب الذي يقول إن الطائفة كلها بريئة دائماً، وإن كل الجرائم لا علاقة لها بها، فهو خطاب كاذب ومضلل. لا أحد يقول إن كل فرد مجرم لكن لا أحد يستطيع أيضاً أن يدّعي أن جماعته لا تتحمل أي مسؤولية عن الجرائم التي ارتُكبت باسمها خصوصاً حين تصمت قياداتها ونخبها وأصواتها المؤثرة.

الاعتزاز بالانتماء لا يمنح حصانة للمجرمين. ومن يفتخر بطائفته أو دينه عليه أن يكون أول من يرفض الجريمة حين تصدر عن أبناء طائفته أو تُرتكب تحت رايتها. أما أن يتحول الانتماء إلى درع لحماية القتلة ثم إلى قناع للتبرؤ منهم، فذلك ليس اعتزازاً، بل انتهازية.

كفى تبرؤاً متأخراً. كفى عبارات محفوظة من نوع “لا يمثلنا” تُقال بعد انتهاء المذبحة وسقوط القاتل وانكشاف المستور.

قولوا الحقيقة في وقتها أو تحمّلوا تبعات صمتكم. فمن لم يتكلم عندما كان الكلام واجباً، ومن لم يتبرأ عندما كانت الجريمة تُرتكب، لا يحق له أن يطالب الناس بنسيان موقفه.

لا أحد يُحاسب على طائفته لكن كل طائفة تُحاسب على موقفها من الجريمة التي تُرتكب باسمها. ومن صمت وبرر، وتستر ثم تبرأ بعد فوات الأوان، ليس بريئاً كما يدّعي بل يتحمل أخلاقياً وسياسياً جزءاً من وزر ما حدث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى