سنغافورة في دمشق: وهم الدكتاتور الرشيد … عمر العبد الله

حين يستدعي مسؤولو دمشق نموذج سنغافورة، فهم لا يستحضرون ناطحاتها، ولا نظامها التعليمي، ولا عقدها الاجتماعي الصارم؛ بل الفكرة الأكثر إغراءً فيها: “الدكتاتور الرشيد” لي كوان يو. رجل حكم بلده بقبضةٍ من حديد وغادر التاريخ بسمعة عريضة. نموذجٌ مغرٍ حقاً، حتى أن وزير الخارجية أسعد الشيباني يلوّح به في كل مناسبة، لكن من حيث لا يجب، وبأدوات خاطئة، وفي بلد لا يحتمل هذه المقارنة أصلاً.

حكم الفرد

الواقع أن الدكتاتورية لم تكن نقطة البداية في تجربة سنغافورة، بل مجرد محطة عابرة في مسار دولة وجدت استقرارها في إدارة التنوّع. تجربة واعدة حولت اختلاف الصينيين والهندوس والملايو إلى مزية سياسية، لا إلى أداة صراع. 

في سوريا، يحدث النقيض تماماً، يُقدَّم حكم الفرد كنقطة انطلاق وحيدة للتنمية، وتُستدعى العصبية الطائفية كوسيلة حكم. هنا لا يُدار الاختلاف والتنوع، بل يُستثمر في أقبح صوره. يغيب صوت الخبراء والعلماء والتكنوقراط، لصالح أصوات غاضبة تعيش على أحقاد الماضي ولا تريد رؤية المستقبل. 

البداية الفعلية لهذا المسار المُرهِق لم تكن المجازر والانتهاكات، بل على العكس، بدأت فيما سُمّي آنذاك “مؤتمر الحوار الوطني”. أبكرُ اختبار جدّي لنوايا السلطة: مهرجان خطابي امتد لنحو اثني عشر ساعة كذب فيه الجميع على الجميع. قدّمه الرئيس الشرع بوصفه تدشيناً لحوار ممتد، لكنه في الواقع كان مجرد إعلان مبكر لنهاية حوار لم يبدأ أصلاً. فالمؤتمر في أحسن الأحوال لم يكن سوى سلسلة “مقابلات عمل” غير مباشرة، عُيّن من اجتاز اختبار الولاء فيها في مراكز السلطة لاحقاً. 

من يحاسب الرئيس

ثم جاء الإعلان الدستوري المؤقت ليحسم سؤالاً تتجنّب الأنظمة عادة مواجهته: من يحاسب الرئيس؟ الجواب جاء بوضوح من داخل قصر الشعب على الهواء مباشرة: “لا أحد يحاسب الرئيس”. كانت لحظة صدق نادرة، قيل فيها كل شيء دفعة واحدة، لحظة أغلقت الباب أمام أي نقاش جدي حول الصلاحيات أو التشريعات، وذوبت الحدود المأمولة بين المؤقت والدائم.

بعد ذلك شُكّلت وزارة بلا رأس. الشرع حاضر، فما الداعي إلى رئيس وزراء؟ أُسند الجوهر للرجال الأقوياء، وتركت القشور لوجوه هامشية بينها سيدة واحدة. وإذا كان ثمة خيط يجمع الجوهر بالقشور، فهو حضور الولاء وغياب الكفاءة. وحين تحضر الكفاءة، تُختزل في وعود طنانة وبلاغةٍ فارغة، يمكن نظمها على أي بحر، ما دامت القصيدة ستنتهي بـِ “طبق الكرامة” ـ عبارة وزير الثقافة الجوفاء التي اختصرت خواء الوزارة كلها.

ما جرى من مجازر العلويين في الساحل خلال شهر آذار لم يكن انحرافاً عن المسار، بل نتيجته المنطقية. فالطائفية هنا لا تُهمَس، بل تُقال وتُمارَس علناً في الدوائر الضيقة المحيطة بالشرع؛ تظهر واضحة في تسجيلات جوقة “المؤثرين” المخلصين، وفي مداخلات موظفي رئاسة الجمهورية على الشاشات، حين يُقدَّمون باعتبارهم “محللين سياسيين مستقلين” ـ وكأن هذه الكذبة كانت تحتاج إلى مزيد من الابتذال لتنطلي على المشاهدين. 

إفلات كامل من الحساب

في سوريا اليوم، لا يُحاسَب أحد على طائفيته أو تعدّيه ما دامت الضحية من “الآخرين”. وحين يُعلَن هذا المنطق بلا مواربة داخل دوائر السلطة، يغدو توقّع أخلاقٍ أسمى من الأتباع ترفاً بلا سند. وعلى الجانب الآخر، تُنضِج المعادلة نتائجها القاتمة: تستعر الهويات “تحت الوطنية”، ويغدو الجميع أعداء بلا تحفظ، ويصبح العنف والعنف المضاد مساراً شبه حتمي. ويزيد الأمر سوءاً أن السلطة، لأسباب لا سبيل لتفسيرها، تركت مجرمي النظام السابق بلا عقاب ولا ملاحقة، فصار العنف يتغذّى من إفلاتٍ كامل من الحساب.

التشاركية غائبة، والعنصرية في ذروتها، وكل من يخرج بنقدٍ أو رأيٍ مغاير يُهاجَم ويُخوَّن أو يُغتال معنوياً، حتى لو كان من أبناء الثورة نفسها. وما جرى مع “قيصر سوريا” ليس سوى مثالاً كاشفاً لهذه القاعدة، وهو ما يفسر خفوت صوت المعارضين المستمر. 

جيش لحد جديد

أما في السويداء، فما حدث ليس استثنائياً بقدر ما هو تكثيفٌ لغواية القوة التي تعيشها السلطة، مجرد عارض جانبي لطيش العصبية والطائفية المستشرية. في هذه الأجواء المشحونة، وجد “الهجري” فرصة لتحويل العمالة لإسرائيل إلى مجرد “وجهة نظر” بعد أن صادَر الصوتَ الدرزي الوطني الغاضب من اعتداءات السلطة. المفارقة أن حكومة دمشق، حتى اللحظة، لم تفعل ما يكفي لدحض غواية القوة التي تورطت فيها، ولا لدفع أهل المدينة الغاضبين بعيداً عن “عميل السويداء” الذي يحلم بـِ “جيش لحد” جديد. 

القائمة لا تطول بقدر ما تتراكم: مجلسٌ شعب مُعيَّن على مقاس السلطة يُسوَّق كنصف منتخب، دوائر حكومية وتعيينات تُدار بوعظ المشايخ لا بالقانون، سلاحٌ منفلت يبحث عن انتقامٍ يسدّ فراغ العدالة المفقودة، وفيما مجرمو الأسد يتجولون بلا حساب في دمشق، يُجاهر مستشارو الرئيس بازدراء الديمقراطية من دون أدنى شعور بالخجل. يُقدّمُ الرئيسٌ للعموم محارباً شرساً للفساد والمحسوبيات، فيما تتجذّر سلطة المقربين منه داخل دوائر السلطة والمال. أما الاقتصاد، فمتروك كقدرٍ غامض لصفقات ضخمة لا أحد يعرف عن شروطها شيئاً. 

الشرع لا يُصغي كثيراً: لا لنخب الداخل الديمقراطية، ولا لنصائح حلفاء الخارج، لا للاقتصاديين ولا للمثقفين، لا لرجال الأعمال ولا القانونيين. قد يُصغي أحياناً، لكن بقدر ما تفرضه الضرورة لا أكثر. أسباب الإخفاق متعددة، وجلّها إرث ثقيل من حقبة الأسد، غير أن مساءلة السلطة عن واجباتها ليست تفصيلاً ثانوياً؛ إنها جوهر العقد بين الدولة ومواطنيها. ألم يكرّر رأس الدولة في خطاباته أنه “جاء خادماً لا حاكماً”؟ ألم يردّد، بوقارٍ محسوب، أن المناصب “تكليف لا تشريف”؟

المطلوب واضح

المشهد، ظاهرياً، ليس قاتماً بالكامل، وقد تُقدَّم لهذا الاعتقاد أسبابٌ تبدو وجيهة. لكن الجوهر شديد القتامة: الديمقراطية باتت أثراً بعد عين، ومجرد ذكرها عرضاً يثير استغراب السامعين. والسؤال الذي لا يمكن تجاوزه يبقى بسيطاً ومحرجاً في آن: هل ثار السوريون ودفعوا تلك الأثمان الباهظة لمجرّد استبدال رجلٍ برجل؟ لا أحد يعتقد ذلك.

المطلوب واضح: دولة قانون راسخة، حياد السلطة الديني نحو مواطنيها، مسار بطيء وثابت نحو الديمقراطية، وعدالة انتقالية حقيقية، بعض اللامركزية الإدارية، وتشاركية فعلية لا ظاهرية. لكن الإغراء أوضح من تلك الوعود: سيطرة سريعة، مركزية في القرار، ودكتاتورية “منضبطة” على الطريقة السنغافورية، مع إغفال تفصيل حاسم ـ أن لي كوان يو، زعيم سنغافورة، بنى المؤسسات أولاً، قبل أن يفكّر في تخليد صورته.

المعضلة أن الدكتاتورية، مهما تبدّل اسمها أو غيرت وجهها، تظلّ دكتاتورية والحساسية نحوها في سوريا شديدة. قد تنجح أدواتها في إسكات المعارضين، لكنها لا تنجح في محوهم. يبقى حضورهم مؤجَّلاً، يعود كلما اعتقد الحاكم أن المشهد استقر له. يُروى أن المجرم حافظ الأسد، في ذروة جبروته أواسط التسعينيات، كان يخشى الاغتيال. لم يكن خوفه عابراً، بل خلاصة معرفة دفينة بأن التهديد لا يزول. فالظلم لا يختفي؛ بل يتراكم، وينتظر اللحظة المناسبة لارتداده. 

مع أفول عامٍ سوريٍّ مُنهِك، تعود مظاهرات الساحل لا كحدثٍ طارئ؛ بل كخلاصة مُرّة للمشهد بأكمله: كشفٌ متأخّر لوهم فائض القوة، وتكثيفٌ ليأس مجتمعاتٍ كاملة تعيش تهديداً يومياً في رزقها وحياتها. الحقيقة، في نهاية المطاف، أبسط وأكثر قسوة: حقيقة الدم. فلا أحد يبكي القتلى في الليل سوى أمهاتهم. والسوريون يعرفون ذلك جيداً؛ درّبتهم سنوات القسوة على الخسارة قبل أن يلامسوا لحظة حريتهم النادرة. ولهذا، لا استعداد لديهم لتركها تُنتزع منهم لا باسم الاستقرار، ولا تحت أي ذريعة أخرى.

.

.

عن المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى