أثار إعلان مديرية أوقاف حمص مؤخراً عن افتتاح ما وصفته بـ “المكتبة الوقفية الأولى” في المحافظة بمسجد الأتاسي، موجة عارمة من السخرية والانتقادات بين أهالي المدينة وناشطيها.
ووصف المتابعون الحدث بأنه “افتتاح خَلبي” و”استعراض إعلامي” لمنشأة قائمة منذ سنوات طويلة دون أي تغيير حقيقي، فيما ربط آخرون الحادثة بملف فساد أوسع يطال إدارة أملاك الوقف في المدينة.
بحضور محافظ حمص الدكتور عبد الرحمن الأعمى، ومدير أوقاف حمص محمد سامر عبد الله الحمود، و شخصيات دينية و عسكرية، أعلنت مديرية الأوقاف يوم السبت 28 آذار 2026 عن افتتاح مكتبة جامع الأتاسي.
وزعمت الرواية الرسمية أن المكتبة خضعت لعمليات “ترميم وتأهيل متكاملة” بعد أن طالتها يد التخريب والسرقة خلال السنوات الماضية، في خطوة تهدف لإعادة إحياء دور المساجد كمراكز للعلم والمعرفة.
.
سرعان ما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لكشف ما وصفه المتابعون بـ “التدليس”. وأكد العديد من أهالي حمص أن المكتبة موجودة في المسجد منذ أكثر من عشر سنوات، وأنها كانت تعمل وتستقبل طلاب العلم بجهود ذاتية وأهلية قبل أن تضع الأوقاف يدها عليها وتنسب الفضل لنفسها.
وتساءل ناشطون عن مصير الأموال التي رُصدت تحت بند “الترميم والتأهيل”، مؤكدين أن الصور والمقارنات تظهر أن الرفوف والكتب هي ذاتها التي كانت موجودة منذ سنوات دون تغيير يُذكر.
.
رواية المتطوعين : “جهد مخلص في ظل التغييب”
في المقابل، قدم أحد الشباب المشاركين في تجهيز المكتبة شهادة ميدانية مغايرة، موضحاً أن العمل شمل جوانب تنظيمية هامة.
وذكر المتطوع أن المكتبة كانت تعاني من كتب مكررة وناقصة، وتم استبدالها بكتب جديدة من تبرعات “أهل الفضل”، كما تم تقسيم المكتبة حسب الفنون العلمية.
وأكد أن العمل كان تطوعياً بالكامل وبلا أجر، وأن تكاليف الافتتاح والضيافة البسيطة تكفلت بها اللجنة النسائية في المسجد وجمعية تطوعية، مما يثير تساؤلات إضافية حول أوجه صرف الميزانيات الرسمية المخصصة لمثل هذه المشاريع.
.
ملف الفساد وأزمة الثقة

.
لم تتوقف الانتقادات عند حدود المكتبة، بل امتدت لتطال بنية مديرية الأوقاف ذاتها. وأشار مقربون من الأوساط المحلية إلى أن ملف الفساد في المديرية يحتاج إلى “تحقيق نزيه من الطراز الرفيع”، خاصة فيما يتعلق بإدارة العقارات وأملاك الوقف التي تُستأجر “بتراب المصاري” من قبل عائلات متنفذة، بينما يعاني فقراء المدينة من ضائقة معيشية خانقة.
ووصف مراقبون المؤسسة بأنها أصبحت “مغلقة” ولا تسمح لأحد بالاطلاع على سجلاتها، مما أفقد الشارع الثقة في أي فعالية تقوم بها.
.
كان لافتاً في التعليقات الشعبية التساؤل عن غياب الشيخ زهير الأتاسي، إمام وخطيب المسجد السابق، والذي يُجمع أهالي الحي على أنه المؤسس الحقيقي للمكتبة وصاحب الفضل الأكبر في جمع مقتنياتها.
واعتبر المتابعون أن تغييبه عن المشهد الرسمي هو محاولة لـ “سرقة الجهود وتزوير الواقع التاريخي” للمسجد الذي يضم مخطوطات وكتباً نادرة توارثتها عائلة الأتاسي عبر الأجيال.
تزامن هذا الافتتاح مع ظروف اقتصادية قاسية يعيشها السوريون، مما ضاعف من حدة الغضب الشعبي. وكتب أحد المعلقين: “الناس لا تجد لقمة العيش، والمسؤولون مشغولون بقص الأشرطة وافتتاح مكتبات موجودة أصلاً.. هل هذا هو الإصلاح الذي تنشده المؤسسة الدينية؟”.
يظل جامع الأتاسي معلماً دينياً هاماً، لكن محاولة تصوير مكتبته كـ “مشروع جديد” وضعت مديرية الأوقاف في مواجهة مباشرة مع وعي الشارع الحمصي الذي لم يعد يتقبل “الافتتاحات الخلبية” في ظل غياب الشفافية والعدالة.
.
.
مرهف مينو – حمص