
الإعلام والنظام … د. عوض السليمان
عندما يرفض رئيسٌ توقيع اتفاق مع العدو، تصفه وسائل الإعلام في بلده بـ”الرئيس الذي لم يوقّع”، وتخلع عليه لقب بطل الحرب. فإذا سقط وجاء رئيس آخر ووقّع الاتفاقية، أصبح في خطابها “الرئيس الذي فهم الحكاية”، وصار بطل السلام. ثم إذا جاء من بعده رئيس أُجبر على توقيع السلام بالقوة، وصفته بأنه الرجل الذي أنقذ البلاد.
هذه الصورة المهترئة تختصر وظيفة الإعلام حين يتحول إلى لسان السلطة، لا إلى عين المجتمع.
وأكاد أرى هذا المشهد بالضبط في سورية؛ فالإعلام السوري، رغم سقوط نظام الأسد، لا يزال يسير على النهج نفسه، فيشبّح للسلطة الجديدة كما كان يشبّح للقديمة.
والإعلاميون الذين كانوا ينتقدون الأسد لأنه لم يرد على الضربات الإسرائيلية، وكانوا يستهزؤون بعبارة ” نحتفظ بحق الرد” يبررون اليوم صمت الحكومة السورية المطبق على توغلات العدو في الجنوب، مع أنها بلغت ألف مرة تقريباً، بل إنهم لم يعلقوا حتى على “عدم الاحتفاظ بحق الرد”. والذين كانوا يهتفون أيام الثورة: “يا بشار يا جبان، يا عميل الأمريكان”، يصفقون اليوم للعلاقات مع ترامب، فقد أصبحوا “ترامبيين”، وبلغ الأمربهم أن يقولوا: شكراً توم برّأك
حتى إن إعلام السلطة تجاهل إصدار الخارجية السورية خارطة للبلاد لا تضم الجولان ولا لواء إسكندرونة، وكأن الأمر لا يستحق سؤالًا.

وهذا كله يؤكد أن الإعلام ما زال يعيد إنتاج رواية السلطة، مع أن وظيفته الحقيقية أن يكون رقيبًا عليها، لا صدىً لها.
فما قيمة الصحافة التي لا ترى إلا ما يراه الرئيس والوزير؟ ومن يراقب الحكومة إذًا؟ ومن يكون صوت المظلومين والجائعين؟ ومن يساعد الحكومة على تصحيح أخطائها؟
لقد كان الإعلام السوري يمجد كل فعل للأسد، ويغض الطرف عن الأخطاء والنواقص. واليوم لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا؛ تشبيح جديد، ولكن بأسماء جديدة.
كنا نتوقع، بعد سقوط الأسد، أن يتحرر الإعلام من ثقافة التصفيق، وأن يسائل السلطة عن وعودها وأدائها، وأن يناقش قضايا الناس؛ من ارتفاع الأسعار، وجوع المواطنين، ومسار العدالة الانتقالية، إلى الموقف السوري الرسمي مما يجري في فلسطين والعالم كله.
في مثال إعلامي صارخ، ألقى الأستاذ مطيع البطين خطبة عيد الأضحى بحضور الرئيس أحمد الشرع، وقال إن سيادة الرئيس لا يحب المدح، مع أن هذه الجملة نفسها قمة المدح “المبتذل”، ومع أن سياق الخطبة كان مليئًا بالثناء. وكان الأولى أن تنصرف الخطبة إلى هموم الناس، وأن تتناول ما تعانيه البلاد من جوع ورشوة وجريمة، بدل الإشادة بالسلطة. أو على الأقل كان على الخطيب أن يتكلم عن شعيرة عيد الأضحى لا أن يحسب حساباً لوجود الرئيس من عدمه. وبالنتيجة فلم تختلف تلك الخطبة كثيرًا عن الخطب التي اعتاد السوريون سماعها في عهد النظام البائد.
من بدهيات العمل الإعلامي أن يقلق المسؤول من أسئلة الصحفي، لا أن يخشى الصحفي مساءلة السلطة. أما التطبيل فليس صحافة، والتزمير ليس إعلامًا. ولذلك جرت العادة في الدول المتقدمة أن يخشى المسؤول مقابلة الصحفي، وليس العكس.
وإذا ظل الإعلام يضخم الإنجازات، ويتستر على العيوب، ويترك رقابة المسؤولين، فإننا لن نكون أمام إعلام حر جديد، بل أمام نسخة جديدة من إعلام العبودية والخوف.
وإن كان الأمر كذلك، فعلى صحافتنا، وعلى سُلطتنا، السلام.
بالتزامن مع جريدة أحوال



