
جدل حول أعمال ترميم قصر الزهراوي في حمص ومطالبات بكشف تفاصيل الاستثمار
تقارير تتحدث عن تحويل قصور أثرية إلى مطاعم وفنادق، وعائلة الزهراوي تطالب بوقف الأعمال "المبهمة"
تصاعد الجدل في مدينة حمص حول أعمال الترميم والتأهيل الجارية في قصر الزهراوي الأثري، بعد بيان نشرته عائلة الزهراوي في 5 تشرين الأول/أكتوبر، قالت فيه إن أعمالاً داخل ساحة القصر وغرفه تُنفّذ تحت عنوان الترميم، وإنها لم تتلقَّ، بحسب البيان، توضيحاً عن طبيعة المشروع أو الجهة المنفذة.
وطالبت العائلة وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف بالكشف عن تفاصيل الأعمال، معتبرةً أن أي تغيير في العقار يجب أن ينسجم مع الغاية العامة التي استُملك من أجلها. كما عرضت تولّي إدارة القصر وتحويله إلى مكتبة عامة ومركز ثقافي على نفقتها، تحت إشراف وزارة الثقافة، شرط تسلّمه بالحالة التي كان عليها قبل الأعمال الحالية.
من الترميم إلى الاستثمار؟
وفي تقرير مصوّر نشرته “زمان الوصل” في 5 تشرين الأول، وردت ادعاءات بأن ورشات نجارة وخرسانة وسباكة وحدادة تعمل داخل قصر مملوكي يعود تاريخه إلى نحو سبعة قرون، تمهيداً لتحويله إلى مطعم.
وذكر التقرير أن “شركة الطائر التجارية” حصلت على استثمار لعدد من القصور والمواقع الأثرية في حمص بهدف تحويلها إلى مطاعم وفنادق، من بينها قصر عبد الحميد الزهراوي، وقصر ودار مفيد الأمين، وقصر صبحي شعيب، والمتحف الوطني.
كما أفاد التقرير بأن الشركة وثلاثة أشخاص استحوذوا، وفق ما وصفه، على الحصة الأكبر من أعمال ترميم واستثمار آثار حمص، وقدّرها بنحو 90%، وأن أمر المباشرة صدر منذ بداية نيسان/أبريل ضمن اتفاق بقيمة تقارب نصف مليون دولار.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه النسبة، أو من طبيعة الاتفاق، أو من كون المواقع المذكورة مشمولة فعلاً بعقد واحد أو بعقود منفصلة.
وتتعارض هذه الرواية مع ما ورد في تقارير سابقة عن عقد أشغال لترميم وصيانة وتأهيل قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين، بقيمة إجمالية تبلغ 6.3 مليارات ليرة سورية.
وبحسب تلك التقارير، صدر أمر المباشرة في 9 نيسان/أبريل 2026، وأُسند التنفيذ إلى “شركة الطائر التجارية” التي يمثلها عماد مصطفى يحيى ومحمد نور الأتاسي وشريكهما.
ويحتاج حسم هذا التعارض إلى نشر العقد الكامل ودفتر الشروط والملاحق: هل نحن أمام عقد ترميم تدفع الدولة قيمته، أم عقد استثمار يمنح الشركة حق تشغيل المواقع واستثمارها، أم صيغة تجمع بين الأمرين؟
فالتمييز بين هذه الصيغ يغيّر بصورة جوهرية طبيعة الالتزامات والرقابة والعوائد وحقوق الانتفاع.
أسماء الشركة وخلفية “أربعاء حمص”
يسمي تقرير “زمان الوصل” محمد نور الأتاسي وعماد مصطفى يحيى، إضافة إلى شريك ثالث لم يسمّه، بوصفهم القائمين على الشركة أو المستفيدين من الاستثمار المزعوم.
كما يربط التقرير بين الأتاسي ومؤتمر “أربعاء حمص”، وبين يحيى وعائلته، ويطرح أسئلة حول تضارب المصالح والعلاقات السياسية والاقتصادية.
وهذه المعلومات، بما فيها توصيف الأشخاص والاتهامات الموجهة إليهم، تبقى منسوبة إلى التقرير ولا تشكل حكماً أو نتيجة تحقيق مستقل.
وبحسب تقرير نشرته “عنب بلدي”، أقامت محافظة حمص ووزارة الثقافة، بالتعاون مع فريق “ملهم” التطوعي، مؤتمر “أربعاء حمص” في 13 آب/أغسطس 2025، وجمع المؤتمر تبرعات قُدّرت بنحو 13 مليون دولار لمشاريع تتعلق بالمياه والتعليم والخدمات العامة.
وأفاد التقرير بأن إدارة التبرعات كانت ستتم عبر مجلس أمناء ولجنة متابعة، مع تنفيذ المشاريع من فريق “ملهم” أو الجهات الرسمية بحسب طبيعة كل مشروع.
ولا يثبت جمع التبرعات أو حضور وزارة الثقافة للمؤتمر، بحد ذاته، وجود صلة قانونية بين المؤتمر وعقد ترميم القصور الأثرية. ويتطلب إثبات هذه الصلة وثائق تعاقدية ومالية منشورة، أو ردوداً رسمية من الوزارة والجهات المعنية.
عقد بقيمة 6.3 مليارات ليرة
أثارت تقارير صحفية نشرت في مطلع تشرين الأول معلومات عن عقد لترميم وصيانة وتأهيل قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين، بقيمة إجمالية تبلغ 6.3 مليارات ليرة سورية.
ووفق ما نشرته صحف، صدر أمر المباشرة في 9 نيسان/أبريل 2026، ووجّه إلى “شركة الطائر التجارية” لتنفيذ الأعمال في المبنيين الأثريين.
وتطرح التقارير تساؤلات حول طبيعة نشاط الشركة وخبرتها في ترميم المباني الأثرية، وكذلك حول آلية إبرام العقد والجهات التي صادقت عليه.
غير أن هذه النقاط لا تزال، وفق ما أمكن التحقق منه، في إطار ما أوردته تقارير صحفية استناداً إلى وثائق قالت إنها رسمية، ولم يُنشر حتى تاريخ إعداد هذا التقرير ردّ تفصيلي من وزارة الثقافة أو المديرية العامة للآثار والمتاحف أو الشركة المنفذة يوضح نطاق الأعمال وشروطها الفنية والقانونية.
ولا يمكن الجزم، استناداً إلى المواد المنشورة وحدها، بأن الأعمال الجارية تشكل “تخريباً” أو أن العقد غير قانوني؛ فإثبات ذلك يحتاج إلى الاطلاع على العقد الكامل، ودفتر الشروط، والمخططات، وتقارير الإشراف الأثري، ومحاضر الاستلام، إضافة إلى بيان رسمي من الجهات المختصة.
ماذا يقول قانون الآثار؟
يخضع قانون الآثار السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته لحماية المباني والمناطق الأثرية.
وتظهر في النص المنشور لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية أحكام تقيد تغيير الأبنية التاريخية أو إقامة أبنية جديدة ضمن المواقع الأثرية، وتجعل أعمال الصيانة والترميم والإصلاح خاضعة للسلطات الأثرية أو لموافقتها وإشرافها.
كما يضع القانون قيوداً على استثمار الآثار الثابتة وعلى تأجيرها أو التصرف بها وفق صيغ لا تجيزها الجهات المختصة.
وتتضمن مواد القانون عقوبات على أفعال مختلفة تمس الآثار، لكن مقدار العقوبة يتوقف على طبيعة الفعل والصفة القانونية للموقع والمادة المنطبقة.
لذلك لا يصح القول بصورة عامة إن كل ترميم بلا ترخيص يعاقب تلقائياً بالأشغال الشاقة؛ بل يتعين تحديد المخالفة والجهة المختصة والنسخة النافذة من النص والعقوبة المرتبطة بها.
وبناءً عليه، فإن السؤال القانوني في حالة قصر الزهراوي لا يقتصر على وجود ورشات داخل الموقع، بل يشمل ما إذا كانت الأعمال حاصلة بموجب ترخيص أثري ومخطط معتمد، وما إذا كان الاستخدام النهائي المقترح ــ إن ثبت تحويل الموقع إلى مطعم أو فندق ــ متوافقاً مع شروط حماية المبنى وقيمته التاريخية.

معلم مملوكي ارتبط اسمه بعائلة لاحقة
يُعد القصر من أبرز البيوت الأثرية داخل مدينة حمص القديمة.
وتذكر الموسوعة العربية أن الدار تُعرف على نطاق واسع باسم قصر الزهراوي، غير أن التسمية ارتبطت بعائلة شغلت القصر في مرحلة متأخرة، في حين تشير لوحة تأسيسية عند المدخل إلى علي بن أبي الفضل الأزهري بوصفه بانيه.
كما تربط الموسوعة البناء بدار النيابة التي نُقل إليها مقر الحكم داخل المدينة، وتضعه ضمن العمائر التي تعود إلى العصر المملوكي.
وتتكون الدار من طابقين يطلان على باحة داخلية، وتضم عناصر معمارية وزخرفية متداخلة، بينها الأقواس والمقرنصات والزخارف المملوكية.
وكانت مديرية الآثار قد نفذت، وفق مصادر صحفية، مراحل ترميم سابقة للقصر، من بينها أعمال في القسم الغربي عام 2020، تمهيداً لاستخدامه متحفاً للتقاليد الشعبية والحرف اليدوية.
أسئلة مفتوحة
يركز الجدل الحالي على خمسة أسئلة رئيسية: ما طبيعة الأعمال المنفذة داخل القصر؟ وهل يجري ترميمه أم تهيئته للاستثمار التجاري؟ وما الجهة المشرفة عليه؟ وما الصيغة القانونية للعقد، هل هي عقد أشغال وترميم أم صيغة استثمارية؟ وهل روعي في التنفيذ إشراف اختصاصيين في صون المباني الأثرية؟
كما يطالب ناشطون وأبناء من المدينة بنشر الوثائق الأساسية للمشروع، بما يتيح مقارنة الأعمال المنفذة بالمخططات المعتمدة، والتحقق من سلامة المواد المستخدمة وعدم المساس بالعناصر التاريخية للقصر.
وتمتد الأسئلة إلى بقية المواقع الأثرية في حمص وسوريا: من يحدد أولويات ترميمها؟ ومن يملك صلاحية استثمارها؟ وكيف تضمن الدولة ألا يتحول إنقاذ التراث إلى استخدام تجاري يغيّر هوية المبنى؟
وبانتظار توضيح رسمي، تبقى حماية قصر الزهراوي مسؤولية مؤسساتية لا تُحسم بالبيانات المتبادلة أو الاتهامات على منصات التواصل، بل بالشفافية ونشر الوثائق وإخضاع أي أعمال داخل الموقع لرقابة أثرية متخصصة ومستقلة.
خاص – مصدر



