
حرية الصحافة في سوريا : بين خطاب “التحسن” وواقع المؤشرات العالمية … مرهف مينو
في خضم التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا مؤخراً، وتحديداً بعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الاول 2024، برز خطاب رسمي متفائل حول مستقبل الحريات، بما في ذلك حرية الصحافة.
وقد تجسد هذا الخطاب في تصريحات وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، الذي أشار إلى (تقدم ملحوظ) في مؤشرات دولية وإطلاق “مدونة سلوك مهني” كدليل على “سوريا الجديدة” التي ترتقي في سلم الحريات.
ولكن، هل تتوافق هذه الرواية الرسمية مع الواقع الذي ترسمه المؤشرات العالمية المستقلة؟ قراءة متأنية للبيانات تكشف عن فجوة واضحة بين التطلعات والواقع.
وهم “القفزة الكبيرة”: قراءة في مؤشر “فريدوم هاوس”
لا شك أن أي تحسن في سجل حقوق الإنسان والحريات في سوريا هو أمر يستحق الترحيب. وقد أشار الوزير المصطفى إلى أن سوريا سجلت “تحسناً مقداره خمس نقاط” في مؤشر “فريدوم هاوس” لعام 2026 (الذي يغطي أحداث عام 2025)، واصفاً إياه بـ”المكسب الكبير” .
هذا التحسن، وإن كان صحيحاً من الناحية الرقمية، يجب أن يوضع في سياقه الحقيقي. فسجل 10 من أصل 100 نقطة لا يزال يضع سوريا ضمن فئة الدول “غير الحرة”، وفي ذيل القائمة العالمية.
إن القفزة بخمس نقاط من قاعدة منخفضة للغاية لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً في بيئة الحريات، بل قد تعكس تراجعاً في القمع المطلق الذي كان سائداً قبل سقوط النظام، وليس بالضرورة ازدهاراً حقيقياً للحريات.
التقرير نفسه لـ”فريدوم هاوس” يؤكد أن “الحرية العالمية تراجعت للعام العشرين على التوالي في عام 2025″، مما يجعل التحسن السوري استثناءً نسبياً، لكنه لا يغير من حقيقة أن البلاد لا تزال بعيدة كل البعد عن معايير الحرية .
واقع مرير : شهادة “مراسلون بلا حدود”
إذا كانت تصريحات الوزير تستند إلى تحسن نسبي في مؤشر عام للحريات، فإن النظرة إلى المؤشرات المتخصصة في حرية الصحافة ترسم صورة أكثر قتامة. منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF)، وهي المعيار الذهبي في هذا المجال، تضع سوريا في موقع متأخر بسبب المواقف التي تتبناها السلطة.
ففي عام 2024، احتلت سوريا المرتبة 179 من أصل 180 دولة، لتكون واحدة من أسوأ الدول في العالم في قمع الصحافة.
وفي عام 2025، ورغم التغيرات السياسية، لم تتقدم سوريا سوى بمرتبتين لتصل إلى المرتبة 177 . هذا التحسن الهامشي لا يدعم بأي حال من الأحوال فكرة “سوريا الجديدة” التي ترتقي في مؤشرات الحرية، بل يؤكد أن البيئة الصحفية لا تزال محفوفة بالمخاطر والتحديات الجسيمة، وتصنف ضمن “المنطقة السوداء” عالمياً.
إن تجاهل هذا الواقع الصارخ يثير تساؤلات حول مدى جدية الالتزام بتحسين حرية الصحافة.
“مدونة السلوك” : أداة تنظيم أم قمع مقنع؟
من بين الإجراءات التي روج لها الوزير المصطفى، إطلاق “مدونة السلوك المهني والأخلاقي” لقطاع الإعلام في فبراير 2026، واصفاً إياها بـ (الإطار المعياري الحديث) الذي يحقق توازناً بين حرية الوصول إلى المعلومة وحماية المجتمع من خطاب الكراهية والتضليل .
ومع ذلك، قوبلت هذه المدونة برفض قاطع وانتقادات واسعة من قبل صحفيين واساتذة مادة الإعلام ومنظمات صحفية مستقلة وجرائد. فقد رفضت “الجمعية السورية للصحفيين” رغم عدم قوة المؤسسة هذه المدونة بشدة، معتبرة إياها تدخلاً حكومياً سافراً في شؤون الإعلام وتقويضاً لمبدأ التنظيم الذاتي المهني .
التحذيرات من أن مثل هذه المدونات، التي تصدرها جهات حكومية، قد تستخدم كأداة لفرض رقابة جديدة وتقييد حرية التعبير تحت ذريعة “المسؤولية” أو “حماية المجتمع”، هي تحذيرات في محلها.
فالتاريخ يخبرنا أن الأنظمة غالباً ما تستخدم هذه الذرائع لتكميم الأفواه وتضييق الخناق على الإعلام المستقل.
تحديات مستمرة : غياب الأطر القانونية ومخاطر جديدة
في حين قد يكون هناك تراجع في حالات الاعتقال الممنهج التي كانت سمة للنظام السابق، فإن تقارير “لجنة حماية الصحفيين” (CPJ) لعامي 2025 و2026 تشير إلى أن البيئة الصحفية في سوريا لا تزال “هشة” وتواجه “مخاطر جديدة” .
هذه المخاطر تنبع من الانقسامات السياسية المحلية، وغياب الأطر القانونية الواضحة لحماية العمل الصحفي، مما يعرض الصحفيين لمضايقات واعتداءات من قبل مختلف القوى الفاعلة على الأرض.
كما أن ظهور “مؤسسات صحفية مستقلة” لا يعني بالضرورة أنها تعمل في بيئة خالية من الضغوط، خاصة مع التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها هذه المؤسسات، والتي تحد من استقلاليتها وقدرتها على العمل بفعالية.
إن بناء إعلام حر ومستقل يتطلب أكثر من مجرد تصريحات إيجابية؛ يتطلب إطاراً قانونياً يحمي الصحفيين، ودعماً اقتصادياً للمؤسسات الإعلامية، والتزاماً حقيقياً من جميع الأطراف الفاعلة باحترام حرية التعبير.
طريق طويل نحو الحرية الحقيقية
إن خطاب وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، حول (الارتقاء) الكبير في مؤشرات حرية الصحافة في سوريا، يبدو أقرب إلى محاولة لتجميل الصورة منه إلى وصف دقيق للواقع.
فبينما قد يكون هناك تحسن نسبي في بعض الجوانب بعد سقوط النظام، إلا أن سوريا لا تزال تصنف ضمن الدول الأكثر قمعاً لحرية الصحافة عالمياً.
إن التحديات الهيكلية، وغياب الأطر القانونية الشاملة لحماية الصحفيين، ورفض المنظمات المهنية لـ”مدونة السلوك” الحكومية، كلها عوامل تشير إلى أن الطريق نحو حرية صحافة حقيقية ومستدامة في سوريا لا يزال طويلاً وشاقاً.
يتطلب هذا الطريق إصلاحات أعمق وأكثر شمولية تتجاوز مجرد التحسن الطفيف في الأرقام، وتتجه نحو بناء بيئة إعلامية تحترم التعددية، وتحمي الصحفيين، وتضمن حق المواطن في الوصول إلى المعلومة دون قيود.



