نخشى على رصيد هذه الثورة… د. عوض السليمان

تشير تقارير دولية متفرقة وأخبار ميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي نفّذ مئات التوغلات داخل الأراضي السورية، في الجولان والقنيطرة ودرعا، كما يواصل محاولاته لفصل السويداء عن وطنها الأم. عبر فتح ممرات بين الأراضي المحتلة والمحافظة، بهدف دعم الجماعات المتمردة بالسلاح والتدريب.
رغم ذلك، لم تتخذ حكومة دمشق، أي إجراء عملي أو عسكري لردع تلك التوغلات، علماً بأن إسرائيل احتلت نحو 235 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية، وأقامت نقاطاً عسكرية ودشماً إسمنتية وسواتر ترابية. وقد أشار تقرير فرنسي إلى وجود منهجية إسرائيلية واضحة تهدف إلى تغيير الجغرافيا والعبث بالواقع السكاني في الجنوب، من خلال دفع السكان إلى الرحيل والاستيلاء على أراضيهم ومنازلهم.
تقول الحكومة السورية إنها غير قادرة على مواجهة إسرائيل لأن الشعب السوري منهك من سنوات الحرب ولا يريد خوض مواجهة جديدة. غير أنها تتجاهل أن السوريين أنفسهم واجهوا، لسنوات طويلة، واحداً من أكثر الأنظمة استبداداً وعنفاً، مدعوماً بالقوة العسكرية الروسية والتغول الإيراني، إضافة إلى أذرع مسلحة متعددة مثل حزب الله والحشد الشعبي وآلاف المقاتلين من دول مختلفة. كما تتجاهل صمود السوريين وتضامنهم مع الشعب الفلسطيني، فضلاً عن تجاهلها لما يزخر به تاريخنا العربي والإسلامي من نماذج للصمود والثبات في مواجهة التفوق العسكري للخصوم، ليس ابتداء بخالد في مؤتة ولا انتهاء بعمر المختار في ليبيا.
يحضرني سؤال: لو لم يسقط الأسد عام 2024، هل كان الرئيس الشرع والثوار يتوقفون عن قتاله بحجة أنهم منهكين؟ وهل كانوا يختارون الاستسلام لأن السوريَّ تعب من القتال وتدهورِ الأوضاع الاقتصادية؟ وهل ترى الحكومة الحالية فرقاً جوهرياً بين استمرار نظام الأسد في الحكم وبين احتلال إسرائيل لأجزاء من الأراضي السورية في الجنوب؟
من المؤكد أن الحكومة تدرك أن المشروع الإسرائيلي لا يقتصر على السيطرة على بقع جغرافية محددة،بل يقوم على التوسع وفرض وقائع جديدة وصولاً إلى إسرائيل الكبرى، ولذلك يصعب فهم السعي إلى بناء سلام أو تفاهمات مع تل أبيب في الوقت الذي تستمر فيه اعتداءاتها على البلاد، بما في ذلك استهداف مواقع في دمشق، ووصول تلك الاعتداءات إلى مؤسسات سيادية ورمزية في الدولة.
في شباط الماضي، أفادت تقارير محلية بأن إسرائيل قامت برش مواد كيميائية فوق مساحات زراعية في الجنوب السوري، ما أدى إلى إتلاف محاصيل ونفوق أعداد من الماشية. وكانت الصدمة، أن الحكومة لم تتقدم بشكوى دولية فاعلة، ولم تتخذ إجراءات تتناسب مع حجم الحادثة، واكتفت بالتنديد والاحتجاج الدبلوماسي المحدود.
وما زلنا نتساءل عن دلالات إلغاء الاحتفالات بذكرى حرب تشرين التي خاضتها الجيوش العربية، والتي شهدت إنجازات عسكرية بارزة، من بينها اختراق خطي بارليف وآلون. ولعل ما يزيد الحرج أن هذا القرار يثير تساؤلات متكررة لدى الأشقاء العرب الذين ينظرون إلى تلك الحرب بوصفها محطة مهمة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
كما يشعر كثير بالاستياء من نشر وزارة الخارجية السورية خريطة للبلاد لا يظهر فيها الجولان السوري المحتل، وهو ما أثار ردود فعل رافضة على المستويين الشعبي والعربي. وبدا الأمر وكأنه رسالة سياسية خاطئة، أو تساهل غير مبرر في قضية تمس السيادة الوطنية ووحدة الأراضي السورية.
وإذا كانت الثورة هي التي أوصلت هذه الحكومة إلى السلطة، أفلا يفترض بها أن تكون أكثر صراحة مع قاعدتها الشعبية، وأن توضح رؤيتها تجاه العلاقة مع إسرائيل وحدود ما تنوي القيام به في هذا الملف الحساس؟
وهل تعني الرغبة في السلام، أو السعي إلى تفاهمات أمنية، الصمت إزاء انتهاك الأراضي السورية؟ وهل يمكن أن يتحقق سلام حقيقي في ظل استمرار التوسع العسكري وغياب أي ضمانات لاحترام السيادة السورية؟
إن الخشية اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضاً على رصيد الثورة في وجدان السوريين، وعلى الثقة الشعبية التي حظيت بها القيادة الجديدة، وعلى ما تبقى من كرامة وطنية يشعر المواطن بأنها تتعرض للتآكل يوماً بعد يوم.
فالحكم بمنطق الدولة لا يعني الاستسلام، ولا يعني التنازل للعدو، أو التغاضي عن انتهاك السيادة، بل يعني توظيف كل الإمكانات السياسية والدبلوماسية والقانونية والشعبية للدفاع عن البلاد، وصون حقوق مواطنيها، وحماية أرضها وكرامتها الوطنية.

 

بالتزامن مع جريدة أحوال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى