
أريد أن أعرف من يمثلني في مجلس الشعب … د. عوض السليمان
لا أناقش في هذه الافتتاحية الأسس التي اعتمدت عليها الحكومة السورية للسماح للسيد الرئيس بتعيين سبعين عضواً في مجلس الشعب، ولا أريد أن أغوص في الأطر القانونية أو الدستورية التي أتاحت ذلك. لكنني لا أفهم كيف يكون مجلساً للشعب، ويعيّن السيد الرئيس ثلث أعضائه؟ ولا أفهم لماذا لا ينتخب الشعب ممثليه عبر اقتراع مباشر، مهما كانت الظروف السياسية للبلاد.
ثم إذا كان مجلس الشعب عاجزاً عن مساءلة رئيس الجمهورية أو عزل الوزراء، فما وظيفته الحقيقية إذاً؟ وما المساحة التي يفترض أن يشغلها صوت المواطن تحت قبته؟
بالتأكيد، لست خبيراً دستورياً، بل مواطن سوري لم ينتخب ممثله في المجلس، ولا يعرف حتى من يمثله فيه. ولا أدري إذا كان السوريون يعرفون أسماء ممثليهم، ويستطيعون الوصول إليهم.
أريد أن أعرف: من يمثلني؟ هل أستطيع أن أتصل به، أو أن أرسل له شكوى أو سؤالاً؟ أو أن أستفسر منه عمّا يشغلني ويشغل أبناء منطقتي؟ أبحث عن مجلس الشعب منذ أكثر من سنة ونصف، وأبحث اليوم، فوق ذلك، عن الشخص الذي يفترض أنه يمثلني فيه.
لماذا تأخر انتخاب مجلس الشعب كل هذه المدة؟ ولماذا لم يتداعَ أعضاؤه إلى اجتماعات مستمرة ومفتوحة لمواكبة الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد؟
لم نرَ اجتماعات ولا نقاشات جادة بحجم الأزمات التي يعيشها السوريون، ولم نسمع مواقف واضحة تتحدث عن إنصاف الناس، أو الحد من الأخطاء السياسية والاقتصادية، أو مواجهة مظاهر الاستبداد التي لا تزال تثقل حياة السوريين.
لم يناقش المجلس، مثلاً، مقتل غميرة، وبقاء فادي صقر طليقاً، وإعادة تدوير بعض الشبيحة. ولم يعترض على مواكب المسؤولين التي تضم عشرات السيارات، فيما يعيش السوريون على حافة العوز.
ولم يستدعِ المجلس وزير الثقافة ليسأله عن المعايير التي سمحت باستقبال راغب علامة. أو الاحتفاء “بالمؤثرين” الذين لا يميزون بين الطيار و”الشوفير”، ولم يغضبه أن يستقلّ هؤلاء طائرة عسكرية مخصصة للدفاع عن البلاد.
هل ناقش المجلس انعدام الأمن وانتشار الجريمة؟ أو وقف عند حالة الخوف التي تعيشها بعض المناطق؟ وهل سأل أصحاب المناصب عن مصادر ثرواتهم، وهل التفت إلى انتشار الرشوة والفساد؟
كيف يصمت المجلس عن حذف الجولان من خارطة البلاد؟ وكيف تقوم الحكومة بذلك دون استشارته؟
ونريد أن نعرف: هل أجاز ممثلو الشعب لوزير الخارجية أن يلتقي رئيس الموساد الإسرائيلي؟
هذا اللقاء بالذات ليس تفصيلاً عابراً، ولا أظن أن السوريين، بالعموم، اعتقدوا يوماً أن يلتقي وزير خارجيتهم برئيس جهاز دموي قائم على الجريمة وسفك الدماء. فعمليات الموساد ترتكز على ترويع الآمنين واغتيال العلماء والمفكرين وتخريب بلاد العرب والمسلمين.
ولقاء الوزير برئيس الموساد بالذات رسالة سياسية بالغة الخطورة، فهل لنا أن نعرف: من قرر، ولماذا، وبأي تفويض، وما الذي قيل في ذلك اللقاء؟ وإلى أين تتجه البلاد؟
وعلى مجلس الشعب، إن كان فعلاً للشعب، أن يسأل الحكومة عن ذلك كله، وأن يضع أمامنا إجابات واضحة، لا أن يتركنا أسرى للشائعات والتخمينات.
فهل ينقل أحد هذه الأسئلة إلى ممثليْ الذي لا أعرفه تحت القبة؟ وهل يستدعي ذلك العضو وزير الخارجية، ويطرح عليه هذه المخاوف باسم الشعب الذي يفترض أنه يمثله؟
من المؤكد أن السوريين لا يريدون مجلساً يصفق للحكومة، ولا مجلساً يبحث عن الأعذار للمسؤولين، بل مجلساً يكون صوت الشعب وعيناً ساهرة تحميه. ولا يريد المواطن أن يصبح رقماً في صندوق الاقتراع، ثم يُؤمر بالصمت حتى موعد الانتخابات المقبلة.
ولم يقم أحد بالثورة كي يتعلم أشكالاً جديدة من التصفيق، وأنواعاً حديثة من الاستبداد، أو ليرى علامات فارهة لأفخر سيارات المسؤولين، تحيط بها الحماية، وتحجب عن أصحابها الشمس، وتحجب عنهم الحقيقة.
المشكلة الأصل في هذا كله أن كثيرين لم يدرسوا التاريخ ولم يفهموه، وتلك هي المصيبة.
بالتزامن مع جريدة “أحوال”



