
المذيعة المليونيرة .. كنانة حويجة تعود إلى الواجهة مجدداً
لم يكن اسم كنانة حويجة حاضراً بقوة في المشهد السوري قبل اعتقال والدها، اللواء إبراهيم حويجة، في آذار/مارس 2025. لكن مسيرتها خلال سنوات الثورة السورية جعلتها واحدة من أبرز الشخصيات التي انتقلت من العمل الإعلامي إلى ملفات المصالحات والهدن والتفاوض حول إخلاء مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة.
وبحسب المعلومات المتاحة، تقيم كنانة حويجة حالياً في روسيا، من دون معلومات موثوقة منشورة تحدد المدينة التي تعيش فيها أو طبيعة نشاطها الحالي.
وُلدت كنانة حويجة، عام 1982، ودرست العلوم السياسية، وعملت لفترة قصيرة مضيفة في الخطوط الجوية السورية، قبل انتقالها إلى تلفزيون نظام بشار.
بدأت بتقديم البرامج وقراءة نشرات الأخبار، ثم ظهرت في برامج سياسية وحوارية، خصوصاً بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين أصبحت جزءاً من الإعلام الرسمي الذي تبنى رواية السلطة للأحداث.
ارتبط اسمها ببرنامج “سورية تتحاور”، الذي خرج في بعض مراحله من الاستوديو إلى مناطق التماس والبلدات التي كانت تشهد حصاراً من مليشيات الاسد أو هدناً. وظهرت حويجة في مقابلات ميدانية داخل مناطق تسيطر عليها المعارضة، قبل أن يتوسع دورها تدريجياً من التغطية الإعلامية إلى المشاركة في ملفات التفاوض.
وبرز اسم كنانة حويجة بشكل خاص مع اتساع سياسة الهدن المحلية التي اتبعتها مليشيات الاسد وحلفاؤها، حيث ظهرت في مفاوضات تتعلق بمصير سكان ومقاتلي مناطق محاصرة.
وكان من أبرز الملفات التي ارتبط اسمها بها داريا عام 2016، في اتفاق انتهى بإخراج مقاتلي المعارضة وأعداد من السكان إلى شمال سوريا. وأفادت تقارير آنذاك بأن وفداً تفاوضياً تابعاً للنظام، برئاسة كنانة حويجة، شارك في المفاوضات التي سبقت الاتفاق.
وتكرر ظهورها لاحقاً في ملفات المعضمية وخان الشيح وبرزة ووادي بردى والغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، إضافة إلى ملفات مرتبطة بمخيم اليرموك والحجر الأسود ودرعا والقنيطرة.
ورغم عدم وضوح الصفة الرسمية التي كانت تحملها في كل جولة تفاوض، فقد وثقت صور ومقاطع وتقارير إعلامية ظهورها إلى جانب مفاوضين روس وضباط ومسؤولين سوريين، ومشاركتها في لقاءات مع ممثلي الفصائل واللجان المحلية.
وفي ريف حمص الشمالي، ظهرت إلى جانب رئيس الوفد الروسي المفاوض، كما شاركت في جلسات تفاوض في مناطق أخرى، الأمر الذي عزز صورتها كشخصية تتجاوز مهمتها الإعلامية.
“عرابة المصالحات” و”مهندسة التهجير”
مع اتساع حضورها في هذه الملفات، أطلقت عليها وسائل إعلام وناشطون ألقاباً مثل “عرابة المصالحات” و”مهندسة التهجير” و”مذيعة التهجير الأولى”.
وتعكس هذه التسميات خلافاً سياسياً وحقوقياً حول طبيعة الدور الذي أدته. فمنتقدو النظام ربطوا مشاركتها باتفاقات أدت إلى إخلاء مناطق واسعة من سكانها، بينما قدمت السلطات تلك الاتفاقات بوصفها تسويات تهدف إلى إنهاء القتال وإعادة مؤسسات الدولة.
وتظهر مسيرتها تداخلاً لافتاً بين الإعلام والتفاوض والسياسة الأمنية خلال سنوات الحرب؛ إذ انتقلت من تغطية الأحداث في مناطق المعارضة إلى المشاركة في مفاوضات تحدد شروط الخروج والوجهات التي ينقل إليها السكان والمقاتلون.
الحضور الروسي
ظهر اسم كنانة حويجة كذلك في سياق التعاون الروسي السوري، إذ ظهرت في عدد من جولات التفاوض إلى جانب مسؤولين ومفاوضين روس.
وتداولت مصادر ومنشورات غير رسمية روايات عن ارتباطها بضابط روسي يدعى ألكسندر زورين، بل تحدث بعضها عن زواج بينهما. إلا أن هذه الروايات لا تتوافر بشأنها أدلة مستقلة كافية، ولذلك لا يمكن تقديمها كحقيقة مؤكدة.
الثابت في المصادر المفتوحة هو ظهور حويجة في جولات تفاوض إلى جانب ممثلين روس، ودورها في عدد من ملفات الهدن والمصالحات، بما في ذلك مناطق كانت محاصرة أو خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة.
تقاضي عمولات بمئات الآلاف والملايين
رافق اسم كنانة حويجة أيضاً اتهامات مباشرة بالحصول على أموال وعمولات مقابل المشاركة في صفقات الإخلاء والتفاوض بشأن المناطق المحاصرة.
وذكرت “الجزيرة” أن المرصد السوري لحقوق الإنسان اتهم حويجة بتقاضي عمولات بلغت مئات الآلاف من الدولارات على صفقات تهجير معارضين، وهو ما دفع المرصد إلى إطلاق وصف “المذيعة المليونيرة” عليها.
كما نقلت تقارير إعلامية أخرى اتهامات أكثر تحديداً، إذ قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان إن حويجة عرقلت خروج رافضي التسوية في درعا بهدف الحصول على عمولة، كما زعم أنها تلقت ملايين الدولارات مقابل اتفاق يتعلق بإخراج عناصر تنظيم داعش من مخيم اليرموك إلى البادية.
وبذلك، فإن الادعاءات المتعلقة بحصول كنانة حويجة على الأموال ليست مجرد شائعات متداولة على مواقع التواصل، بل وردت في تقارير إعلامية نقلاً عن جهات ومصادر محددة، وتحدثت بعضها عن عمولات بمئات الآلاف من الدولارات، بينما ذهبت روايات أخرى إلى الحديث عن مبالغ بملايين الدولارات.
ومع ذلك، تبقى هذه الاتهامات منسوبة إلى مصادرها، ولم يثبت في حكم قضائي نهائي منشور اطلعت عليه هذه المادة أن كنانة حويجة تقاضت فعلاً تلك المبالغ. لذلك، فإن وصفها بـ”المذيعة المليونيرة” هو وصف إعلامي ظهر في سياق تلك الاتهامات، وليس توصيفاً قضائياً نهائياً.
اعتقال والدها المجرم يعيد اسمها إلى الواجهة
في 6 آذار/مارس 2025، أعلنت السلطات السورية اعتقال اللواء إبراهيم حويجة في منطقة جبلة بريف اللاذقية، بعد سنوات من خروجه من منصبه رئيساً لإدارة المخابرات الجوية السورية.
وتولى إبراهيم حويجة رئاسة إدارة المخابرات الجوية السورية بين عامي 1987 و2002، وارتبط اسمه في تقارير وشهادات باتهامات خطيرة تتعلق بالاعتقال والتعذيب والقتل السياسي، إضافة إلى اتهامات بالتورط في اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط.
وقد وصفه مصدر في إدارة الأمن العام السوري، نقلت عنه وكالة “سانا”، صراحة بأنه “اللواء المجرم إبراهيم حويجة”، واتهمه بالإشراف على مئات الاغتيالات خلال عهد حافظ الأسد، من بينها اغتيال كمال جنبلاط.
كما أوردت مصادر وشهادات تاريخية اسم حويجة في قضية اغتيال كمال جنبلاط عام 1977. وذكرت “الجزيرة” أن إفادة وليد جنبلاط أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عام 2015 أشارت إلى أن التحقيقات اللبنانية خلصت إلى مسؤولية مكتب المخابرات السورية في بيروت، الذي كان يقوده حينها إبراهيم حويجة، عن تنفيذ الاغتيال.
وفي آب/أغسطس 2026، أفادت “الجزيرة” بأن هيئة العدالة الانتقالية دعت ذوي الضحايا والمتضررين إلى تقديم شهاداتهم ضد حويجة، مؤكدة أنه “قيد التوقيف وبعهدة القضاء المتخصص”، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة.
ولا تتوفر معلومات موثوقة منشورة تحدد مكان احتجازه الحالي.
أين هي ؟
مع اعتقال والدها المجرم، اللواء إبراهيم حويجة، عاد اسم كنانة حويجة إلى التداول، وبرزت أسئلة حول مكان وجودها ودورها السابق وعلاقتها بالجهات الروسية التي ظهرت إلى جانبها في عدد من المفاوضات.
وبحسب المعلومات المتاحة ، تقيم حويجة حالياً في روسيا، فيما لا تتوفر معلومات موثوقة عن المدينة التي تعيش فيها أو طبيعة نشاطها الحالي، كما لا توجد معطيات معلنة حول وضعها القانوني أو احتمال خضوعها للتحقيق في الملفات التي شاركت فيها.
وفي حالة كنانة حويجة، كان المسار واضحاً من شاشة التلفزيون إلى الميدان، ثم إلى غرف التفاوض، قبل أن تختفي عن المشهد العام وتعود إلى الواجهة مع اعتقال والدها، المجرم إبراهيم حويجة، الذي يواجه اليوم اتهامات وملفات أمام القضاء السوري المتخصص.
مصدر



