المنسق منافساً: في وجه المدير والقائد .. وليد فارس

 

كثيراً ما نسعى لمقارنة المدير مع القائد, ونضع لطلابنا جداول تحدد نطاق عمل ورؤية كل منهما, ونبين كيف أن القائد يتميز في كثير من القضايا على مستوى إلهام الفريق وعلى مستوى الرؤية الاستراتيجية, ومستويات أخرى, تارةً من أجل تشجيع وتحفيز المدير أن يتحول إلى قائد, وتارةً أخرى من أجل خلق نظرية قيادية في المؤسسات تعمل على تحريك “الفيل” في المؤسسة والانطلاق بها نحو أفاق جديدة.

لم نُغفل في يوم من الأيام الدور الهام للمدير في تطبيق وظائف العملية الإدارية, ومتابعة العمل وتسيره بشكل سليم, إلا أننا غالباً ما نقصر مقارناتنا على المدير والقائد وكأنهما الوحيدين الموجودين في العملية الإدارية.

خلال فترة الثورة السورية وبسبب كثرة المؤسسات, أو في حين اندماج الشركات, أو حين يكون العمل مشترك بين عدة فرق, أو في حال كانت هناك اجتماعات ضخمة تتمخض عنها أعمال تتعلق بأطراف متعددة, لايمكن أن تنجح نظرية القيادة بأي حال من الأحوال مهما كان هذا القائد ملهماً ومبدعاً, فهو محكوم عليه من قبل الفرق الأخر بلون معين وينتمي إلى فريق ما, مما لا يجعل الأخرين قادرين على التفاعل معه أو تنفيذ أوامره, أو حتى الاستماع لنصائحه, سينظرون إليه دائماً على أنه يميل إلى فريق معين, ولديهم تصورات مسبقة لن تسمح فترة العمل القصيرة بتغيرها, كذلك تتطلب مسألة تعيين مدير الكثير من التشاورات والشد والجذب, وفي حال –هذا في حال- استطاعت الفرق التوصل إلى اختيار مدير ما, فإن تطبيق وظائف الإدارة من قبله سيواجه بأكوام من العراقيل كون العناصر التي يتعامل معها تنتمي إلى فرق مختلفة, ولا يستطيع اجبارهم على تنفيذ أي مهمة تتم جدولتها.

هنا يبرز المنسق كشخصية تفرض نفسها و”تُنزل المدير والقائد من على الرف”, حيث يستطيع المنسق أن يستبين وجهات النظر لجميع الفرق, ثم يعمل على صياغة حل وسط ترضى به جميع الأطراف ليبدأ على الفور بتنفيذه, المنسق يقوم بجولات كثيرة واجتماعات ثنائية كثيرة لكي يفهم على كل فريق أو مؤسسة, وسرعان ما تتكون لديه تصورات معينة عن آلية عمل كل جهة ويفهم من خلال هذه الجلسات والتعاملات طرق تفكير الجميع, مما يجعله نقطة التقاء للمؤسسات أو الجماعات الراغبة بالاندماج أو الراغبة بالعمل المشترك.

المنسق ليس شخصية حادة ولا يفرض أرائه بل هو مرن يكاد يشبه الماء, كما أنه لا يطلق الأوامر, بل كثير من ممارساته تكون أعمالاً “سكرتارية” تتعلق بالتدوين والمتابعة لتعهدات الأخرين, لكنه من خلال هذا العمل يكسب الجميع ويحرص على مصلحة الجميع, دون أن يغفل أن الهدف هو تنفيذ العمل المتفق عليه من قبلهم, وسرعان مايصبح محط أمالهم لتنفيذ ما يطمحون إليه, وهو صادق مع الجميع وصريح ودائماً ما يعطي نصائحه بدون مواربة لكي يكسب القلوب, لكنه بنفس الوقت حريص على أسرار كل فريق, فأي نميمة أو كشف لسر تعني أنه خسر فريقاً ما, مما يجعله خلال فترة قصيرة خارج العمل, ويعاب على المنسق أنه لا يملك الكثير من الأمر إلا ما يتعلق بالثقة والقدرة على اقناع الأطراف بنصيحة ما, وستبقى في إطار النصيحة.

لقد تنامت مهمة المنسق بشكل كبير على مستوى العالم, فمؤسسات كبيرة تعين منسقاً للفرق وليس قائداً, وكذلك خلال فترة الثورة السورية لعب الكثير من الأشخاص دور المنسقين لأعمال ناجحة استطاعوا من خلالها إيصال الجميع لتنفيذ عمل نافع ومفيد, فغرف العمليات تحتاج إلى منسق (أو قائد من الصف الثاني أو الثالث), وعمليات الاندماج -حتى تصل إلى اندماج تام- تحتاج إلى منسق, وعمليات الإغاثة التي تشترك فيها أكثر من جمعية تحتاج إلى منسق, والاجتماعات الضخمة تحتاج إلى منسق, وربما تكون مهمة المنسق مؤقتة حتى تحقيق العمل أو الاندماج ولكنها مهمة ومفصلية.

 

 

 

حمص – 29-10-2016

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى