
حصاد الأرقام… وحصاد الواقع: ماذا تقول إنجازات حمص في 2025 عمّا لم يُنجز بعد؟
في نهاية عام 2025، قدّمت محافظة حمص ما سمّته «حصاد العام»، مرفقًا بسيلٍ من الأرقام التي طالت قطاعات المياه والكهرباء والتربية والصحة والمدينة الصناعية في حسياء. أرقام كبيرة، عناوين لافتة، ونشرات مصمّمة بعناية… لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تعكس هذه الأرقام تحسّنًا ملموسًا في حياة السكان، أم أنها مجرّد إدارة أزمة بالأرقام؟
في قطاع المياه، تحدّثت الجهات الرسمية عن آلاف الأمتار من الشبكات التي أُعيد تأهيلها، وتركيب منظومات طاقة شمسية، وإصلاح آبار ومحطات ضخ، إضافة إلى كميات ضخمة من مواد التعقيم. غير أن شكاوى الانقطاع الطويل، وتفاوت التزويد بين الأحياء، واستمرار الاعتماد على الصهاريج، تطرح تساؤلات جدية حول أثر هذه الأعمال على الحق الأساسي في الوصول إلى مياه آمنة ومنتظمة.
أما الكهرباء، فالعنوان الأبرز كان «10 ساعات تغذية يوميًا»، وهو رقم يُقدَّم كإنجاز، لكنه في الواقع يذكّر بحجم العجز المزمن في هذا القطاع. ورغم الحديث عن محطات تحويل جديدة، وطاقة متجددة، وضبط مخالفات، لا يزال التيار الكهربائي في حمص خاضعًا لجداول قاسية، فيما تُنقل كلفة النقص مباشرة إلى المواطنين عبر المولدات الخاصة وارتفاع الأسعار.
في التربية والتعليم، تظهر الأرقام أكثر إشراقًا على الورق: آلاف الكوادر، عشرات المدارس المؤهلة، ملايين الكتب، ونسب نجاح مرتفعة. لكن جودة التعليم، والاكتظاظ الصفي، والفجوة التعليمية التي خلّفتها سنوات الحرب والنزوح، تبقى خارج هذه الإحصاءات، وكأن الكمّ وحده يكفي لتقييم قطاع يُفترض أنه استثمار في المستقبل.
القطاع الصحي بدوره سجّل تجهيزات جديدة، ومراكز أُعيد افتتاحها، وارتفاعًا في عدد الأسرة. غير أن نقص الكوادر المتخصصة، وصعوبة الوصول إلى خدمات نوعية، واستمرار الهجرة الطبية، تجعل من هذه الأرقام أقرب إلى محاولات إسعاف منظومة مُنهكة، لا خطة تعافٍ شاملة.
أما المدينة الصناعية في حسياء، فقد بدت الأكثر ثراءً بالأرقام: استثمارات بمليارات الليرات، آلاف فرص العمل، وبنية تحتية شبه مكتملة. لكن السؤال الأعمق يبقى حول طبيعة هذه الاستثمارات، واستدامتها، ومدى انعكاسها على الاقتصاد المحلي الحقيقي، لا على مؤشرات مالية منفصلة عن القدرة الشرائية للمواطن.
في المحصلة، لا يمكن إنكار وجود جهود وأعمال نُفّذت، لكن تحويل الأزمات إلى جداول أرقام لا يعني حلّها. الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد المنشورات ولا بتصاميم «حصاد العام»، بل بمدى شعور الناس بتحسّن فعلي في الخدمات، وبوجود سياسات شفافة، وخطط قابلة للمساءلة، تعترف بالفشل بقدر ما تحتفي بالنجاح.
بين «حصاد الأرقام» وواقع الحياة اليومية في حمص، ما تزال الفجوة واسعة… وربما آن الأوان لطرح السؤال الأصعب: هل نحتاج إلى مزيد من الإحصاءات، أم إلى تغيير جذري في طريقة إدارة هذه القطاعات؟
,
,
حمص – مصدر








