المظاهرات السورية .. صفعة في وجه الاستسلام … د. عوض السليمان

لم تخرج المظاهرات في المدن السورية، ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بدافع التعاطف العابر، بل كصفعةٍ في وجه كل من راهن على تعب الناس ونسيانهم. فبينما انشغل كثيرون بترويج خطاب الاستسلام، ومحاولة إقناع الشعوب بأن الانكفاء قدرٌ لا مفرّ منه، جاء الشارع السوري ليكسر هذا الوهم، معلنًا أن الوعي لا يُشترى، وأن القضايا الكبرى لا تُمحى بالجوع ولا بالإلهاء.

ما جرى لم يكن مجرد احتجاج، بل إعلان رفضٍ صريح لمسارٍ مدروس يستهدف تزييف الأولويات وترويض الذاكرة، عن طريق ممارسة ضغوط مستمرة على الشعوب. وهنا تحديدًا، نسأل: من الذي يحاول إعادة تشكيل وعي الناس، ولمصلحة من؟

ولم تكن هذه الضغوط بسبب العدوان الإسرائيلي القائم على الاحتلال والهيمنة فحسب، بل تعدّتها إلى ممارسات بعض الحكومات العربية، التي انخرطت في مسارات وُصفت بالسلام، بينما كانت في جوهرها انزياحًا عن ثوابت راسخة. ففُرضت القيود على حرية التعبير، وضُيّق على الأصوات المخالفة، ووُجّهت وسائل الإعلام، صراحة أو مواربة، إلى كبح أي خطاب ينتقد إسرائيل أو يفضح ممارساتها في فلسطين وغيرها. ووصل الأمر، في بعض دولنا، إلى استدعاء النشطاء ومساءلتهم لمجرد رفضهم التطبيع أو معارضتهم الفكر الصهيوني.

وفي خضم هذا الواقع، فإننا نخشى أن تتسلل حالة من التكيّف القسري إلى وجدان الشعوب، فتتآكل مواقفها التاريخية من القضية الفلسطينية تحت ضغط الحاجة، أو بذريعة الانكفاء على الشأن الداخلي. وأن “السلام” هو الخيار العقلاني، وهي ذرائع تنطوي على انزلاق واضح نحو تبرير الانهزام وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

ولا يخفى أن خطابًا جديدًا يميل إلى التسليم قد أخذ يتسرّب إلى الفضاء العام، ويتجلى في بعض المنابر الإعلامية، وفي تصريحات رسمية باتت أقرب إلى الترويج للتطبيع مع المحتل.

لقد سلكت الأنظمة العربية مسالك متعددة لتحقيق ذلك؛ فمنها من اختار سياسة الإغراء، أو العقد الاجتماعي القائم على توسيع الإنفاق وتحسين الخدمات، والاهتمام بالجانب الترفيهي المجتمعي، وبالتالي إبعاد الجمهورعن القضايا المصيرية، ومنها من انتهج سياسة الإفقار والتضييق، فدفع الناس دفعًا إلى الانشغال التام بلقمة العيش. وفي الحالتين، تراجع حضور القضايا الكبرى في الوعي العام، لصالح موضوعات هامشية جرى تضخيمها عبر الإعلام ومنصات التواصل، حتى استنزفت الطاقات وأضعفت البوصلة.

على مستوى الخطاب السياسي، برزت مفارقات لافتة؛ فبينما رُوّج لفكرة أن “السلام” هو الحل، سارع آخرون إلى إعلان العجزعن المقاومة، متذرعين بضعف الإمكانات العسكرية وغياب القدرة على المواجهة. غير أن هذه المواقف، على تباينها، التقت عند نقطة واحدة: توظيف الإعلام لإعادة تشكيل أولويات الرأي العام، وصرفه عن جوهر المسألة.

أمام هذه المعطيات، تتأكد الحاجة إلى وعي عربي يقظ، يدرك طبيعة الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا، لا مجرد خلاف عابر؛ فليست إسرائيل إلا مشروعًا توسعيًا يريد إخضاع المنطقة، وهو ما يثير شكوكًا عميقة حول جدوى الاتفاقات التي تُبرم معها، في ظل تجارب سابقة كشفت هشاشة الالتزامات وسرعة التنصل منها.

في السياق السوري، يكتسب هذا الجدل حساسية مضاعفة؛ فأي حديث عن تقارب محتمل مع إسرائيل يصطدم بواقع ميداني هشّ، يتمثل في اعتداءاتها المستمرة، وتصريحاتها التي تعكس طموحات تتجاوز حدود النزاع التقليدي.

وهنا، تبرز ضرورة التمييز بين موقف الشعب السوري وخيارات الحكومة؛ فبينما قد تمضي السياسات الرسمية في اتجاهات تفرضها حسابات معقدة، يبقى الشعب معنياً بالحفاظ على ثوابته، ورفض كل ما من شأنه تطبيع العلاقة مع المحتل. ولا بد أن يتجلّى ذلك في مواقف مجتمعية رافضة، تمتد من المقاطعة الاقتصادية إلى التحفظ الثقافي والاجتماعي.

لا أعتقد، كما لا أتمنى، أن يعتاد السوريون فكرةَ التخلي عن الثوابت، لأننا “نريد أن نعيش”، و”تعبنا من الحرب”، و”ما عندنا جيش”، و”لا شأن لنا”، فالقضية ليست معركة عابرة ، بل وجود الأمّة نفسُه. 

لا تُقاس هزيمة الشعوب بما تعانيه من أزمات، بل عندما تقبل صياغة وعيها على مقاس العجز، وتُقنعُ نفسها بأن ما كان حقًا صار عبئًا. تلك هي الهزيمة .

 

عن صحيفة احوال 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى