من الظاهرة الشحرورية إلى خَنزرة المفاهيم … م. محمد نبيل كبها

بعد انتشار الظاهرة الشحرورية -وهو تيار فكري حداثي يهدف إلى إعادة تفسير النصوص الدينية وفق معطيات العلوم الحديثة واللغوية، والذي أسسه المفكر السوري الراحل محمد شحرور- يطل علينا الكائن الشحروري من كل حدب وصوب، معتمداً على أَفورة اللغة في إعادة قراءة النص القرآني.

فمثلاً، التفسير التراثي لكلمة “سيّارة” في سورة يوسف بمعنى: “القافلة”، لكن أحد الشحروريين فسرها على أنها: “الصيادون!”، وشحروري آخر أوّل مفهوم “الحجاب” على أنه تغطية الجيوب العلوية (الثديين وتحت الإبطين)، أما فوق الكتف وتحت الركبة فهو خاضع للثقافة المجتمعية، وشحروري ثالث يرى أن الخمر ليس حراماً لذاته، وإنما حرمته بما يطرأ عليه من الإسكار، ورابع يعتقد بحصر التعددية الزوجية بالأرامل ذوات الأيتام، وأن الزوجة الثانية لا ترث، وغيرهم من الشحارير المتأثرين بالفكر والظاهرة الشحرورية المنطلقة من المحرك الماركسي!!

ولا يتسع الفضاء هنا كي نرد الحجة بالحجة، لأننا سنحتاج إلى عشرات الساعات، لكننا سنتحدث عن ظهور كائن شحروري جديد “لن أتطرق إلى ذكر اسمه”، ولكنه كاتب وباحث أردني متخصص في الدراسات اللسانية العربية وتحليل النص القرآني.

حيث انطلق لسانه في بودكاست “مجتمع” مع “د. باسم الجمل” يقول: “الناس يأخذون مفهوم الخنزير بطريقة مقصورة جداً، والحقيقة أن اللحم إذا فسد وأصبح أسوأ ما يكون، فإنه يدخل مرحلة الخَنزرة! وهو من أسوأ ما يكون أثره على الجسم البشري، والمعروف أن الدم إذا سُفح يصبح بيئة خصبة لتوليد كل أنواع الجراثيم”.

ويستدل هذا الشحروري الجديد على أن فكرة الخنزير هي نموذج، والمعنى من ورائه “اللحم الفاسد”، ويستشهد بالآية الثالثة من سورة المائدة في قوله تعالى: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ.. ذَلِكُمْ فِسْقٌ”، ويُردف قائلاً: (“وفي آية أخرى قال تعالى عنه إنه رجس”).

ويستنتج أن اللحوم إذا تعرضت إلى فساد التخزين، أو سوء التغذية، فإنها تؤدي إلى خَنزرتها، وبرأيه أيضاً عندما تُربي ماشية، وتُلقمها العلف المغشوش فأنت تُخنزرها.

وإذا كانت مزاعم هذا الشحروري الجديد أن المقصود بالخنزير في الآية آنفة الذكر أنه وصف للّحم الفاسد، وليس “الحيوان الثدي المعروف”، فماذا نفعل بقوله تعالى: “وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ” (المائدة/60)، حيث مسخ الله سبحانه أصحاب السبت -وهم من بني إسرائيل- إلى قردة وخنازير عقوبة لهم، فهل القردة هنا “لحم فاسد”، أم أنها “الحيوان الثدي المعروف”؟! وهذا ينسحب أيضاً على الخنازير في الآية، والمقصود منها “الحيوان الثدي المعروف” الذي كان يعرفه اليهود والنصارى والمسلمون وكل بني البشر!!

والقرآن حينما حرّم بعض المطاعم، فقال: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ”، ذكر في مطلع الآية “الميتة”، والميتة هي اللحم الفاسد والجيفة المنتنة، ولو كان معنى “الخنزير” هو اللحم الفاسد كما يقول هذا الشحروري، إذن فلماذا يذكره الله سبحانه في الآية عقب “الميتة”؟ وإن كان ذلك من باب التكرار، فهل يوجد في المصحف حرف لا معنى له؟!

إذن، بالتأكيد أن الميتة هي اللحم الفاسد، ولحم الخنزير هو الحيوان الثدي المعروف.

إن ما يسعى إليه هذا الشحروري الجديد عبث صريح وخطير بألفاظ القرآن، لأنه يفتح باباً لتحليل أكل لحم الخنزير إذا تربى في بيئة نظيفة وأُطعم الطعام النظيف! وعلى النقيض فإنه يُخنزر لحم الخروف أو البقرة إذا تربت في بيئة نجسة وأكلت دَرَن الطعام؟!

ولا أعلم كيف لدكتور في اللسانية العربية أن يقلب الشريعة، ويُخَنزر المفاهيم، ويجعل الخنزير مجازاً!!

قال تعالى: “وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ” (النحل/116).

الشحارير اليوم يردّون المفردة القرآنية إلى جذرها الثلاثي، ثم يفتشون عن أي معنى منها محتمل أو قريب أو غريب لنصرة التفسير الشحروري، فيحوّلون المفاهيم القرآنية ويفرغونها إلى نموذج أو رمز أو قراءة معاصرة، ويجعلون الخنزير مجازاً، والحجاب مجازاً، والحدود مجازاً، وغداً سيجعلون الله سبحانه مجازاً -والعياذ بالله- كما طرح الفيلسوف والمفكر البريطاني “برنارد راسل” في كتابه الشهير “لماذا لست مسيحياً؟” (Why I Am Not a Christian)، قائلاً: “ليس الله من خلق الإنسان، بل الإنسان من خلق الله”.

إن ما فعله المفكر الراحل محمد شحرور هو تمييع للمفاهيم العقدية، وتفريغ الدين من شروطه الشرعية، ثم تحويله إلى مظلة منفتحة تتملق للجميع، بالإضافة إلى إسقاطه الرياضي والهندسي القسري على النص الشرعي واللغوي، والذي كانت نتيجته منهجية عقدية مضطربة وتائهة تفتقر إلى المنطق وأدوات البحث العلمي المتخصص.

أما عن أتباعه من الشحارير، فهم يحاولون أنسنة العقيدة وتغريب الدين لإعادة تشكيله على مقاس الليبرالية والعلمانية الحديثة.

ولكن في النهاية.. القرآن لا برهان له، فهو برهان ذاته.

 م. محمد نبيل كبها
عضو الاتحاد العام لكتاب وأدباء فلسطين والعرب، والاتحاد الدولي للمثقفين العرب، وجامعات العلوم والبحوث والثقافة، ومنتدى الكتاب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى