
تفاصيل جديدة عن اعتقال “جزار التضامن” أمجد يوسف
خطوة نحو العدالة في سوريا ومحاكمات علنية مرتقبة
في تطور بارز ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد نظام الأسد، ألقت قوى الأمن الداخلي السورية القبض على أمجد يوسف، المنفذ الرئيسي لـ”مجزرة حي التضامن” المروعة عام 2013، في عملية أمنية دقيقة ومعقدة بريف حماة، لتنهي بذلك سنوات من تخفي يوسف ومحاولاته الإفلات من العقاب.

وأكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن عملية القبض على يوسف تمت بناءً على معلومات ميدانية ومراقبة حثيثة استمرت لعدة أشهر، وتكثفت في الشهر الأخير.
ونُفذت العملية، التي أشرف عليها وزير الداخلية أنس خطاب بشكل مباشر، في منطقة تمتد من ريف حماة الغربي إلى ريف حمص الغربي، وصولاً إلى طرطوس واللاذقية.
وأشار البابا إلى أن العملية تمت بنجاح تام ودون وقوع أي خسائر في الأرواح، سواء في صفوف القوات الأمنية أو المدنيين.
وكان أمجد يوسف، الذي شغل منصب مساعد أول في الفرع 227 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، قد توارى عن الأنظار منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024.
واعتمد يوسف في تخفيه على شبكات محلية وأخرى ذات ارتباطات خارجية موالية للنظام السابق، كما قام بتغيير ملامحه الشخصية وأماكن إقامته باستمرار في محاولة للهروب من العدالة.
وقد انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مشاهد مصورة تظهر لحظة القبض على يوسف، حيث بدا مقيد اليدين وعلى وجهه آثار دماء. كما تم تداول مقاطع فيديو توثق لحظات استجوابه من قبل وزير الداخلية السوري أنس خطاب، الذي واجهه بفظاعة الجرائم التي ارتكبها، قائلاً له إن الفعل الذي فعله ليس فعلاً واحداً، بل هو فعل شخص مجرد من الإنسانية.
تعتبر “مجزرة حي التضامن”، التي وقعت في 16 أبريل 2013، واحدة من أبشع الجرائم الموثقة في الصراع السوري. فقد أظهر مقطع فيديو مسرب عام 2022 أمجد يوسف وعناصر آخرين وهم يقتادون مدنيين معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي نحو حفرة كبيرة، قبل أن يطلقوا النار عليهم ويردوهم قتلى. وأسفرت هذه المجزرة عن مقتل 41 مدنياً على الأقل، تم حرق جثثهم لاحقاً في محاولة لإخفاء معالم الجريمة. وتشير التحقيقات إلى أن ما يزيد على 280 شخصاً لقوا حتفهم في نفس المنطقة على يد عناصر المخابرات السورية.
وفي سياق متصل بتفاصيل المجزرة والشبكة التي أدارتها، كشفت صور مسربة عن اجتماع ضم العقيد جمال إسماعيل، العقل المدبر لمجزرة التضامن، وقائد الدفاع الوطني فادي صقر، لتوثق تحالفاً ميدانياً أدار عمليات الإبادة في القطاع الجنوبي لدمشق عام 2013. وأثبتت الوثائق العسكرية أن العقيد جمال عادل إسماعيل، الضابط في الفرع 227، كان المدير الفعلي للمساعد أمجد يوسف، ولم يكن مجرد رتبة إدارية، بل المشرع الميداني لثقافة الوحشية.
ويمتلك “المعلم”، كما يُلقب إسماعيل، تسجيلاً صوتياً يشرعن فيه القتل الميداني للمدنيين، معتبراً أن تصفيتهم في الساحة أوفر مادياً من سجنهم وإطعامهم. وتؤكد الوقائع أن إسماعيل تدخل شخصياً في عام 2013 لحماية أمجد يوسف أمام لجنة تحقيق، واصفاً اعتداء يوسف على العسكريين بأنه فعل مبرر.
ويظهر فادي صقر في الصور كشريك استراتيجي لإسماعيل، وهو قائد مركز الدفاع الوطني بدمشق وأحد أبرز وجوه التشبيح المنظم. انتقل صقر من العمل في قطاع النقل والمقاولات إلى قيادة آلاف المسلحين، حيث تولى مهمة تطهير محيط العاصمة من خلال تنسيق وثيق مع المخابرات العسكرية. ويرتبط اسمه مباشرة بجرائم التغيير الديموغرافي في أحياء التضامن واليرموك، وتحول تحت إشراف المعلم إلى مقاول جثث يدمج بين العمل العسكري والنهب الاقتصادي للممتلكات.
تجاوزت مهام إسماعيل وصقر الإشراف العسكري إلى إدارة شبكات نهب وتصفية منظمة. فقد أمر إسماعيل بتصفية المدعو حسن شحادة عمران وعائلته بالكامل عام 2013، وحرق جثثهم، وتسلم مصاغهم الذهبي شخصياً. كما قاد الثنائي عمليات مداهمة لمنازل في الميدان وحي الزاهرة، لسرقة الذهب والأدوات المنزلية تحت بند لصالح المعلم. وأدار إسماعيل بالتنسيق مع عناصر صقر معتقلات سرية داخل منازل مدنية في التضامن، خُصصت للإخفاء القسري والتعذيب.
وبدلاً من المحاسبة، كافأ النظام البائد جمال إسماعيل وفادي صقر بترقيات وأوسمة روسية. فقد نال إسماعيل رتبة عقيد في 2017، بينما ثُبت صقر كقائد لمليشيا مركزية في العاصمة. وحاز إسماعيل وسام الإخلاص في عام 2018، بينما حظي صقر بدعم لوجستي وتكريمي من القوات الروسية. كما حصل إسماعيل على شهادة تقدير من القوات الروسية عام 2019 تقديراً لمهامه الميدانية التي نفذها صقر وعناصره على الأرض.

وقد أثار اعتقال أمجد يوسف موجة من الارتياح والترحيب على المستويين المحلي والدولي. ففي سوريا، خرجت احتفالات شعبية في عدة مناطق، منها الرقة وطرابلس في لبنان، تعبيراً عن الفرحة بتحقيق العدالة للضحايا. وعلى الصعيد الدولي،
رحب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، بالاعتقال، واصفاً إياه بأنه خطوة قوية نحو المساءلة ونموذج جديد للعدالة في سوريا ما بعد الأسد، مؤكداً وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الشعب السوري في مساعيه لتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية.
كما أدلى مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي بتصريحات أمام الصحفيين في نيويورك، أكد فيها أن هذا الاعتقال يمثل رسالة واضحة بأن سوريا ماضية في طريق المحاسبة.
وأكد المتحدث باسم الداخلية السورية أن محاكمة أمجد يوسف ستكون علنية وشفافة، وسيتم إطلاع الرأي العام على كافة التفاصيل والمعلومات المتعلقة بالقضية.
وأضاف البابا أن يوسف يعتبر بئراً عميقاً من المعلومات حول المجزرة، وأن ملفه سيُحال إلى وزارة العدل والهيئة العامة للعدالة الانتقالية فور استكمال التحقيقات. وشدد على أن الدولة السورية تعتبر العدالة الانتقالية ركيزة أساسية للسلم المجتمعي، واعداً السوريين برؤية محاكمة بشار الأسد نفسه في القريب العاجل.
.
.
مصدر



