لماذا وجود ابليس ضروري وليس حادث ؟…م.محمد نبيل كبها

بالمرحلة الوثنية كان هناك إلهين “إله للخير وإله للشّر”، وفي الأديان السابقة أيضا كان هناك إله للخير وآخر للشر، ففي الزارديشتية مثلا أو ما يعرف ب “الماجوسيّة الزارديشتية”، وهي إحدى الديانات الإيرانية القديمة ولكن بفلسفة دينيّة آسيويّة، كانت هذه الديانة هي الرسميّة للإمبراطوريات الإخمينيّة والباراثيّة والساسانيّة، وهي أحد أقدم الديانات في العالم، والتي شُيّدت على يد رجل الدّين الفارسي (زارديشت) حيث كانوا يتّخذون فيها إلهين أيضاً.

الزاديشتيّين كان يعبدون “أهورا مَزدا” وهو إله الخير، و”أهريمان” وهو إله الشر، وهو عينه “أنغرا ماينو” بلغة الأفستا “Avestan”، وهي قريبة من الّلغة الفارسية، و”أهريمان” هو المتعارف لدينا “بالشيطان- إبليس”.

بينما نحن المسلمين نعبد إله واحد فقط، وهو الله تبارك وتعالى، ورمز الشر بالنّسبة لنا هو “إبليس”، وهو ليس إله وإنما مخلوق من مخلوقات الله، رفض كلمة الله تعالى بالسجود لآدم ليصبح لاحقاً رمزاً لكل ما هو سيّء.

لماذا هذا الملعون “إبليس” وإغوائه وعصيانه ليس حادثة أو ظاهرة أو قصّة بالنسبة لنا؟ وإنما ضرورة؟! بمعنى: “لماذا يخلق الله تعالى هذا الشر؟ وهل وجود إبليس ضروري؟”، لقد كان وما زال هذا السؤال الأهم للنوع الإنساني، ولبعض الاتجاهات كالمشكّكين “Skeptics”، واللّاأدريين “Agnostics”، واللّادينيّين “Not religious”، والملاحدة “Atheist”، فهو عبارة عن نافذة بالنسبة لهم جميعاً، فمن وجهة نظرهم فهم يتنفّسون الصعداء ويبرّرون أفعالهم بسؤالهم: “كيف يخلق الله نقيضهُ، ثم يأتي ليحاسبنا على أعمالنا!؟ أليس في هذا ظُلم، ولا يُصُح، وليس من العدل في شيء؟!”.

إنّني أجد بكل تواضع أنّ وجود إبليس ضروري، وبالتالي وجود الشر لازِم لنا، لأن حريّة الاختيار لا تُعرف إلّا من خلال الجانب الآخر، ولن يكون هناك معنى للحرّية إذا لم يكن هناك حيّز للشّر بالتواجد إلى جانبنا، وتخيّل معي أنّ إبليس ليس له وجود، معنى ذلك أنّه لا يوجد شر، وبالتّالي لن نرتكب المعاصي والذّنوب والأخطاء، وعليه فإننا أصبحنا تماماً كالملائكة، لا فرق بيننا وبينهم، ولن يكون للإنسان ولحريّته واختياره أي معنى، لأن الله تعالى لا يريد مخلوق مبرمج على طاعته، ولو أراد هذا لأخلف الملائكة عِوضا عن الإنسان، ولقد طلبت الملائكة ذلك من الله عندما قالت: “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ” (الأية رقم 30 من سورة البقرة) ولكن رؤية الله سبحانهُ وخُطّته مختلفة تماماً.

الله سبحانه صاغ مخلوقاً يختلف جملة وتفصيلاً، فقد ركّب سبحانهُ فيه الخطأ، وبالتّالي فإنّ آدم عبّر عن حريّة اختياره في المعصية لا في الطاعة، لأن الحريّة تعبّر بكلّا قبل نعم، وهذا يعني تمكين القدرة له على الرفض قبل القبول، لأن وجود المعصية هو دليل على الحريّة، ورب العالمين يُحب أن يُعصى فيُستغفر، وهنا جدليّة التوبة والطاعة والمعصية، لذلك قال رسول الله ﷺ: “كل بني أدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون”.

وجاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال، قال رسول الله ﷺ: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فَيُغفر لهم”.

ولكن علينا أن نَعي أن الله تعالى قال: “وما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك” (الأية رقم 79 من سورة النّساء) ولهذا جاءت الرسالة، فقال تعالى: “وأرسلناك للناس رسولا” (الأية رقم 79 من سورة النّساء) فبعث الله عزّ وجلّ لنا الرّسل والرسول الأعظم محمد ﷺ، ليوضّحوا لنا الأوامر والنواهي والحلال والحرام، فقال تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي” (الأية رقم 90 من سورة النّحل).

يقول سبحانه لنا بما معناه: “إن الله لا يأمر بالزنا، إن الله لا يأمر بالكذب، إن الله لا يأمر بالقتل، لذلك ما أصابك من سيئة فمن نفسك، لأن تلك الفاحشة التي فعلتها كانت بإرادتك وباختيارك الحر، وهذا هو عملك وصُنعك”، ولا شكّ أنّ الله تعالى خلق الخير والشر، ولكن الشر يُنسب لنا، فهو من أيدينا ومن صُنعنا.

إن الملائكة نتيجتها ونهايتها ومصيرها معروف، ووظيفتها وقَدَرها ومقامها مَعلوم ومُحدّد، بينما الإنسان يجب أن يكتب قدرهُ ومصيرهُ، وهذا ينقلنا إلى أن المَلك هو كائن ناجٍ لا محال، ولا يوجد احتمال خسارة بالنّسبة له، لأنه لم يطلب الحريّة، بينما الانسان طلبها، وهو يحاول أن يبحث ويكتشف ويتعلّم ويحلل ويَخرُج بنتيجة لكي ينجوا بكل الوسائل، وبالتالي فإن الإنسان إزاء احتمالين: “إمّا النجاة أو الخسارة”، ولا معنى للنّجاة بغير احتمال خطر الخسارة.

عضو الإتحاد العام لكتاب وأدباء فلسطين، والعرب، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة، ومنتدى الكتاب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى