المسؤولية المجتمعية لأثرياء حمص – عودوا إلى البرجوازية التقليدية … عامر نوح

 

أنشئ معمل السكر في مدينة حمص في عام 1946 وبدأ الإنتاج في عام 1948 وذلك على يد مجموعة من المساهمين من آل السباعي وآل الأتاسي وغيرهم من تجار وصناعيي المدينة في ذلك الوقت قبل أن يتم تأميمه لاحقاً ليصبح مملوكاً للدولة، والشاهد هنا عن تلك الفترة بالتحديد التي كان أصحاب المصانع والشركات من البرجوازيين التقليديين الذين دأب البعث عبر سنوات حكمه ونظرياته الاشتراكية على وصفهم بكل ما هو سيء، من انتهاك لحقوق العاملين واستغلال لهم والجشع المادي في كل ما يمس مصالحهم.

بعض المؤشرات التي لا يزال بعضها ماثلاً أمامنا لغاية اليوم يفنّد هذه الادعاءات ويكذبها، فقد أنشئ المعمل مزوداً بخدمات للعاملين سواء الرعاية الصحية (مستوصف) ومساكن مخصصة للعاملين وغيرها. ومردّ هذا إلى المسؤولية المجتمعية التي كان يتحلى بها البرجوازيون القدامى، فللعامل حقوق وحد أدنى من الخدمات الواجب توفيرها له من قبل صاحب العمل، والعامل إنسان وليس “آلة” ضمن خط الإنتاج أو ضمن المشروع.

واليوم وبعد ما يقارب الثمانين من الأعوام نحتاج إلى عقلية البرجوازية التقليدية في تعامل الأثرياء وأصحاب المال في مدينة حمص مع مدينتهم، وتحتاج المدينة إلى قيامهم بمسؤوليتهم المجتمعية تجاه حمص إذا أرادوا حقاً النهوض بهذه المدينة بشكل مستدام. فالمشاريع الربحية المطلوب افتتاحها في المدينة يجب أن تكون ربحية في اتجاهين: الأول لصاحب المشروع والمستثمر فيه، والثاني لأبناء المدينة وتنميتها.

يتم تحقيق هذه المشاريع عندما يفكر صاحب المال والمشروع بجذب أموال من خارج المدينة ليتم إنفاقها فيها، إذ إن معظم المشاريع المنفذة داخل مدينة حمص اليوم تمثل تدويراً للمال الحمصي بين الحماصنة، فلا تجد الحلبي ولا الشامي ولا الديري ولا غيرهم ينفقون أموالهم في حمص، بل على العكس فإن جزءاً من المال الحمصي يتسرب إلى خارجها في دمشق وحلب وحماه.

أنشئت المدينة الصناعية في حسياء منذ أكثر من عشرين عاماً والشائع أنها “في حمص”، إلا أنها تبعد حوالي 45 كم عن مركز المدينة، وتعتبر أقرب لبلدات القلمون مقارنة بمدينة حمص، وهذا حرم أبناء المدينة من الاستفادة المالية من الخدمات المرافقة لمشروع المدينة الصناعية.

تنتسب جامعتا الحواش والوادي إلى مدينة حمص رغم أنهما تقعان في ريفها ضمن وادي النصارى، وتحوز قرى الوادي على الفائدة من وجودهما سواء في التوظيف أو النقل أو السكن أو غيرها من الخدمات المطلوبة بسبب تواجد هاتين الجامعتين في المنطقة، وهنا أيضاً نرى أن سكان المدينة محرومون من الفائدة.

حتى السياحة والآثار تنسب إلى حمص ولا تستفيد منها المدينة، فإذا أردت السؤال عن أهم المعالم التي تجذب السياح في حمص سيأتيك الجواب بمدينة تدمر -التي تبعد عن مدينة حمص بقدر ما تبعد دمشق عنها- وقلعة الحصن، والكفرون ومناطق الاستجمام في الريف الغربي البعيد…

لنأخذ نظرة إلى جامعة القلمون في ديرعطية، ولننظر في عدد المستفيدين المباشرين وغير المباشرين من وجودها ضمن هذه المدينة، فصاحب الاستثمار يستفيد من الأقساط الجامعية التي يدفعها الطلاب، لكن مدينة ديرعطية وما حولها سواء يبرود أو النبك أو قارة يستفيدون من الخدمات المرافقة لوجود الجامعة كما هو المثال في جامعات الوادي والحواش.

وهنا لنا أن نسأل: أين هي جامعة حمص الخاصة التي ستجلب المال الشامي والحلبي والحموي ليتم إنفاقه في المدينة؟ ولماذا لا يفكر أثرياء حمص بهكذا مشروع أو أي استثمار آخر يجذب “الرجل الغريبة” إلى المدينة؟

هذه هي الاستدامة التي نتحدث عنها، فجامعة القلمون تم إنشاؤها من قبل مسؤول كبير في عهد النظام البائد ومات المسؤول وزال النظام لكن بقيت التنمية التي أحدثها وجود الجامعة في تلك المنطقة.

يتساءل البعض عن قلة الفنادق في مدينة حمص، والجواب واضح: لا حاجة للفنادق فلا غرباء في المدينة، إذن يجب أن يتم العمل على إيجاد الحاجة وجذب الرجل الغريبة إلى حمص حتى نكسر الدورة المغلقة للمال الحمصي ونشرع في التنمية، فمعظم المشاريع الاستثمارية في مدينة حمص حالياً مولات ومطاعم!!! لكن السؤال: من أين سيأتي زبائن لكل هذه المولات ما لم يدخل الغريب إلى حمص؟ ولا نقول هنا أن المولات والمطاعم ليست مشاريع تنموية ومستدامة، لكنها مشاريع ناشئة عن الحاجة لها وهذه الحاجة لا تتحقق ما لم يتم جذب المال ومنفقيه من خارج المدينة.

من حق المستثمر أن يفكر بما يحقق مصلحته، لكن من واجبه المجتمعي أن ينظر في أحوال مدينته وأهلها وأن يسعى لترك أثر عام بدل أن يترك أثراً ضمن ورثته. عودوا إلى 1946 يرحمكم الله.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى