هل تحدّى الإسلام المسيحيّة؟ … أسعد قطّان

ليس من المبالغة في شيء القول إنّ الإسلام، في إثر ظهوره إبّان القرن الميلاديّ السابع، فرض ذاته بوصفه أبرز تحدٍّ للمسيحيّة. فالإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة، التي أطلق عليها المؤرّخون الغربيّون اصطلاحاً لفظ «بيزنطيّة»، كانت تعيش في حمى الاقتناع أنّها، بمعنًى ما، تجسيد لملكوت الله على الأرض. غير أنّ ظهور دين جديد يتمدّد بسرعة فائقة، وينافس المسيحيّة التاريخيّة على البقعة الجغرافيّة ذاتها، كان لا بدّ له من أن يطرح على الوعي المسيحيّ أسئلةً غايةً في الصعوبة: إذا كانت المسيحيّةُ الدينَ «الحقّ»، ما معنى ظهور دين آخر على مسرح التاريخ؟ وإذا كان الله يحمي المملكة المسيحيّة الأرضيّة، كما كان يحسب أهلها، كيف يغدق النصر تلو النصر على المسلمين العرب، حتًى إنّهم تمكّنوا من محاصرة القسطنطينيّة مرّتين وكادوا يستولون عليها؟ والحقّ أنّ اللاهوتيّين المسيحيّين، على مدى القرنين الميلاديَّين السابع والثامن، انصرفوا إلى تدبيج أجوبة عن هذه الأسئلة تتيح للمملكة المسيحيّة أن تستعيد شيئاً من توازنها اللاهوتيّ والسيكولوجيّ، وذلك بينما كانت تواجه أعتى أزمة اقتصاديّة في تاريخها بعدما فقدت مصر، خزّان قمحها منذ قرون، واضطرّت إلى اعتماد مناهج زراعيّة جديدة في آسيا الصغرى تعويضاً عن خسارتها الفادحة بلاد الفراعنة على يد الفاتحين المسلمين.

 

بيد أنّ تحدّي الإسلام لم يقتصر على ما أنجزه المسلمون من فتوحات، وما أحاق بهذه الفتوحات من تأويلات لاهوتيّة، بل تعدّاه إلى النطاق اللاهوتيّ الصرف، أي الحيّز التفسيريّ والعقيديّ. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يتّخذ لنفسه عناصر تختصّ بالمسيحيّة من دون سواها، لكنّه يسبغ عليها تأويلاً لاهوتيّاً مختلفاً. نحن لا نتكلّم، هنا، على فكرة خلق الكون من العدم، أو الصلاة والصوم مثلاً، فهذه كلّها نعثر عليها في اليهوديّة أيضاً، بل على العناصر المتّصلة بالمسيح وأمّه بالدرجة الأولى. فالمعروف أنّ كتاب المسلمين يعترف بنبوّة المسيح وبعض عجائبه وبتوليّة أمّه ويسمّيه كلمة الله وروحه، لكنّه يجعل هذه العناصر جميعها جزءاً من عمارة لاهوتيّة مغايرة تتّسم برفضها لاهوت المسيح وصلبه وقيامته. بعبارات أخرى: الإسلام يحيل على عناصر يرى المسيحيّون أنّها «مِلكهم»، لكنّه يرسم لها إطاراً تأويليّاً مختلفاً ذاهباً إلى إنقاصها أو إضفاء صفة النسبيّة عليها. وليس هذا بغريب عن فهم الإسلام ذاته بوصفه ديناً يصحّح «الانحرافات» التي سقطت فيها اليهوديّة والمسيحيّة، والتي يشير إليها القرآن بوصفها مغالاةً في الدين.

 

لقد أدرك المسيحيّون أنّهم، حيال هذه المقاربة التي تستعير ما لهم، لكنّها تنقله إلى إطار آخر وتجعله يتأصّل في تربة أخرى على نحو لا يقلّ منطقيّةً و«إقناعاً» عن النموذج الأوّل، أدركوا أنّهم أمام تحدٍّ لاهوتيّ شديد الخطورة. فأكبّوا على المنافحة عن نموذجهم، مستعينين خصوصاً بما توافر لهم من أدوات فلسفيّة. ولا نجانب الصواب إذا حسبنا أنّ المزاوجة بين المسيحيّة والفلسفة بلغت إحدى أرفع ذراها مع اللاهوتيّين المسيحيّين الناطقين بالعربيّة، وذلك قبل نشوء اللاهوت السكولاستيكيّ «القروسطيّ» في الغرب المسيحيّ، والذي عُرف بأنّه جعل الفلسفة «في خدمة اللاهوت”.

هل تحدّت المسيحيّة الإسلام بدورها؟ وما هي أبرز معالم هذا التحدّي المقابل؟ للحديث صلة…

 

 

 

عن المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى