أخلاقيات كأس العالم … آية السليمان

لطالما قُدِّمت كأس العالم باعتبارها البطولة التي توحّد الشعوب، حيث تتنافس المنتخبات داخل الملعب بعيداً عن السياسة والخلافات. لكن مونديال 2026 أعاد سؤالاً أساسياً إلى الواجهة: هل ما زالت كرة القدم لعبة عادلة، أم أصبحت مرآة تعكس قوة الدول ونفوذها السياسي والاقتصادي؟

منذ بداية البطولة ظهرت أحداث أثارت جدلاً واسعاً. فالحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) للمشاركة وكان ينتظر أن يصبح أول حكم صومالي في كأس العالم، وصل إلى ميامي لكنه لم يُسمح له بدخول الولايات المتحدة، لينتهي مشواره قبل أن يطلق صافرة واحدة.

كما واجه المنتخب العراقي صعوبات قبل مشاركته، حيث خضع المهاجم أيمن حسين لاستجواب طويل في مطار أوهير قبل السماح له بالدخول، بينما مُنع المصور الرسمي للمنتخب طلال صلاح من دخول الولايات المتحدة وأُعيد إلى العراق.

قد تكون للدول أسبابها الأمنية والقانونية، لكن كيف يمكن الحديث عن بطولة عالمية عادلة إذا كانت ظروف الوصول والمشاركة لا تبدو متساوية بين الجميع؟

ولم تتوقف الضغوط عند حدود المطارات، بل وصلت إلى اللاعبين أنفسهم. فقد أصبح كيليان مبابي مثالاً على حجم الضغوط التي يتعرض لها نجوم كرة القدم، بعدما تجاوزت الانتقادات أداءه الرياضي لتصل أحياناً إلى مواقف سياسية وتصريحات من شخصيات عامة، وهو ما يجعل اللاعب في مواجهة معركة خارج الملعب أيضاً.

لكن الجدل الأكبر ارتبط بطريقة تطبيق القوانين. فقد أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدخله للمطالبة برفع عقوبة أحد لاعبي المنتخب الأمريكي نقاشاً حول حدود تأثير السياسة في القرارات الرياضية. وفي المقابل، لم تُعامل طلبات أخرى بالمستوى نفسه، مثل مطالبة الجانب الفرنسي بمراجعة بطاقة صفراء حصل عليها اللاعب مايكل أوليز واعتُبرت غير عادلة من قبل فرنسا.

كما أثارت تصريحات رئيس FIFA جياني إنفانتينو، التي عبّر فيها عن دعمه للأرجنتين، تساؤلات حول حياد أعلى مؤسسة كروية في العالم. فالاتحاد الدولي لا يمثل منتخباً واحداً، بل يمثل الجميع، وأي موقف يمكن تفسيره كميل لطرف معين يؤثر على صورة العدالة.

وزاد الجدل مع التعامل المختلف مع الرموز السياسية داخل الملاعب. فقد ظهرت أعلام وشعارات مرتبطة بقضايا سياسية، مثل قضية جزر فوكلاند (مالفيناس) بين الأرجنتين وبريطانيا، إضافة إلى حوادث وُصفت بالعنصرية تجاه بعض الجماهير والشخصيات الرياضية، دون أن يرى كثيرون عقوبات واضحة، بينما فُرضت قيود صارمة على حالات أخرى اعتُبرت ذات طابع سياسي.

أما الجماهير، وهي جوهر كأس العالم وروحها الحقيقية، فقد أصبحت أمام واقع مختلف. فارتفاع أسعار التذاكر إلى مستويات غير مسبوقة لا يمثل مجرد مسألة اقتصادية، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً حول طبيعة البطولة نفسها. فكيف يمكن لحدث يُقدَّم باعتباره احتفالاً عالمياً يجمع الشعوب أن يتحول إلى مساحة يشعر فيها كثيرون بأنهم مستبعدون بسبب قدرتهم المالية؟

إنَّ كرة القدم تبتعد عن صورتها الأصلية كلغة مشتركة بين البشر، وتقترب من نموذج تكون فيه المتعة الرياضية مرتبطة بالطبقة الاجتماعية. وهو تناقض كبير مع تاريخ اللعبة التي نشأت في الأحياء والشوارع قبل أن تصبح صناعة عالمية ضخمة. فإن السؤال لا يعود فقط عن سعر التذكرة، بل عن مستقبل القيم التي قامت عليها كرة القدم.

المشكلة ليست أن كرة القدم تتقاطع مع السياسة والاقتصاد، فهذا أصبح واقعاً عالمياً. المشكلة الحقيقية هي عندما يشعر الجمهور بأن القواعد لا تُطبق بالطريقة نفسها على الجميع، وأن قوة الدولة أو نفوذها قد يمنحها مساحة أكبر للتأثير.

قيمة كأس العالم لم تكن فقط في من يرفع الكأس، بل في الإيمان بأن الجميع يبدأ من الخط نفسه وبالقواعد نفسها. وعندما تتراجع الأخلاق أمام النفوذ، يصبح السؤال الأكبر: هل ما زالت كأس العالم تمثل روح اللعبة التي وُلدت من أجلها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى