16 وفاة تحت التعذيب و829 موقوفاً في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع

أعادت تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية ملف أوضاع المحتجزين في سوريا إلى الواجهة، بعدما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 16 حالة وفاة تحت التعذيب خلال عام 2025، فيما تحدث تحقيق لوكالة «رويترز» عن احتجاز 829 شخصاً على الأقل لأسباب أمنية، وإعادة استخدام 28 سجناً ومركز احتجاز خلال السنة الأولى بعد سقوط النظام المخلوع.
.

16 وفاة تحت التعذيب خلال عام 2025

قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي عن عام 2025 المنشور في 1 كانون الثاني/يناير 2026، إنها وثقت مقتل 3666 شخصاً في سوريا خلال ذلك العام.
وبحسب توزيع المسؤولية الوارد في التقرير، نسبت الشبكة مقتل 73 مدنياً إلى قوات الحكومة السورية، بينهم ثمانية أطفال وست سيدات، إضافة إلى 16 شخصاً صنفتهم ضمن حالات الوفاة تحت التعذيب.
وفي تقرير نشرته الشبكة في 3 شباط/فبراير 2025، تناولت وفاة ثلاثة معتقلين قالت إنهم توفوا بعد توقيفهم من قبل عناصر مديرية الأمن العام في حمص وريفها.
وكان من بين الحالات التي أوردها التقرير محمد لؤي محمد طلال طيارة، من حي الإنشاءات في حمص، الذي قالت الشبكة إنه اعتُقل في 29 كانون الثاني/يناير 2025 ونُقل إلى مركز احتجاز كان يستخدمه حزب البعث سابقاً. وأضافت أن أسرته أُبلغت بوفاته في اليوم التالي، وأن جثمانه حمل آثار تعذيب شديد، وفق ما وثقته الشبكة.
وتكتسب هذه الحالة أهمية إضافية، بحسب التقرير، لوجود إقرار رسمي بوقوع تجاوزات. فقد أعلنت مديرية الأمن العام، في 1 شباط/فبراير، في بيان نقلته وكالة «سانا»، أن عناصر مسؤولين عن نقل طيارة ارتكبوا «تجاوزات» أدت إلى وفاته، مشيرة إلى توقيف المتورطين وفتح تحقيق بإشراف النيابة العامة.
كما تحدثت الشبكة عن رضوان حسين محمد، من قرية الشنية بريف حمص الغربي، وقالت إنه اعتُقل في 25 كانون الثاني/يناير، قبل أن تتسلم عائلته جثمانه بعد خمسة أيام. وذكرت أن الرجل كان بصحة جيدة عند توقيفه، وأن جثمانه حمل آثار تعذيب وإصابات بطلقات نارية في الرأس، وفق المعلومات التي جمعتها.
وفي حالة أخرى، قالت الشبكة إن بدر محيي صقور، من قرية الكنيسة، اعتُقل في 22 كانون الثاني/يناير، قبل أن تتسلم أسرته جثمانه في 1 شباط/فبراير. وأشارت إلى أن آثار تعذيب وإصابات بالرصاص ظهرت على جسده، بحسب التقرير.
ووثقت الشبكة كذلك حالة حافظ يوسف الطويل، من قرية باروحة في ريف حمص الغربي، وقالت إن قوات الأمن الداخلي اعتقلته في 1 حزيران/يونيو 2025 بعد مداهمة منزله. وبعد خمسة أيام، أُبلغت أسرته بوفاته وتسلمت جثمانه.
وذكرت الشبكة أن آثار تعذيب كانت ظاهرة على الجثمان، وأن المعلومات التي جمعتها أشارت إلى أن الطويل كان بصحة جيدة عند توقيفه، ما دفعها إلى نسب وفاته إلى التعذيب والإهمال الطبي.
وتقدم هذه الحالات تفاصيل اسمية لبعض الوقائع التي تدخل ضمن حصيلة الشبكة البالغة 16 وفاة تحت التعذيب خلال عام 2025، في حين لم تتضمن التقارير المفتوحة للشبكة تفاصيل كاملة عن جميع الحالات التي يشملها الرقم السنوي.
.

829 موقوفاً و28 منشأة احتجاز أعيد استخدامها

وفي تحقيق استقصائي موسع نشرته وكالة «رويترز» في 22 كانون الأول/ديسمبر 2025 حول منظومة الاحتجاز في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، قالت الوكالة إنها أجرت مقابلات مع أكثر من 140 سورياً، بينهم معتقلون سابقون وأقارب موقوفين ومحامون ومصادر أخرى.
وأضافت «رويترز» أنها جمعت أسماء 829 شخصاً على الأقل احتُجزوا لأسباب أمنية خلال السنة الأولى بعد سقوط النظام المخلوع، مرجحة أن يكون العدد الفعلي أكبر. كما رصدت إعادة استخدام 28 سجناً ومركز احتجاز كانت مستخدمة خلال عهد الأسد.
وقال 40 معتقلاً سابقاً أو فرداً من عائلات محتجزين للوكالة إنهم تعرضوا أو شهدوا إساءة معاملة، وصلت في بعض الحالات إلى التعذيب، فيما وثقت «رويترز» 11 وفاة على الأقل أثناء الاحتجاز.
ومن بين الشهادات التي أوردها التحقيق شهادة مزارع في الخمسينيات من عمره، من ريف حمص، قال إنه اعتُقل مع ابنه المراهق في آذار/مارس 2025، وتعرض للضرب حتى النزف بعد إخضاعه لما يُعرف بطريقة «الدولاب».
وأضاف الرجل، بحسب التحقيق، أنه أُعيد اعتقاله وضُرب حتى فقد الوعي، وأنه قدم للوكالة صوراً لإصاباته. كما قال التحقيق إن رجل دين توسط مع الأجهزة الأمنية أكد أجزاء من روايته.
وفي اللاذقية، قال شاب اعتُقل في 9 آذار/مارس إنه تعرض للضرب والتنقل بين عدة مراكز احتجاز، والتعليق من كاحليه، ووضع مسدس في فمه. وأوضحت «رويترز» أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل روايته، لكنها وجدت تشابهاً بين نمط الانتهاكات الذي وصفه وروايات ثمانية معتقلين سابقين آخرين على الأقل.
وتحدث معتقل سابق آخر عن تعرضه للجلد بالكابلات في مركز احتجاز بالمزة قبل نقله إلى كفرسوسة، وقال إنه شاهد موقوفين يعودون من التحقيق بإصابات شديدة، وبعضهم غير قادر على المشي. وتبقى هذه الشهادات روايات منسوبة إلى أصحابها، ما لم تدعمها نتائج تحقيق مستقلة أو أدلة إضافية.
.

ماذا قالت الحكومة؟

تضمن تحقيق «رويترز» رداً من الحكومة السورية، قالت فيه إن إعادة بناء المؤسسات الأمنية والقانونية بعد سقوط النظام المخلوع أوجدت فراغات أدت، في بعض الحالات، إلى مخالفات للسياسات المعتمدة.
وبحسب التحقيق، كشفت الحكومة أن 75 عنصراً أمنياً عوقبوا بسبب حوادث عنف بحق معتقلين، فيما عوقب 84 آخرون بسبب وقائع ابتزاز مرتبطة بالموقوفين.
وأشارت «رويترز» في الوقت نفسه إلى أن الانتهاكات التي وثقتها لا تقارن، من حيث الحجم والنطاق والوحشية، بمنظومة الاعتقال والتعذيب التي كانت قائمة في عهد الأسد ووالده.
.

التعذيب محظور دون استثناء

يُعد حظر التعذيب من الالتزامات القانونية الصريحة المفروضة على السلطات السورية، إذ انضمت سوريا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في 19 آب/أغسطس 2004.
وتنص المادة الثانية من الاتفاقية على اتخاذ الدول إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية فعالة لمنع التعذيب، وتؤكد أن الحرب أو الاضطرابات السياسية الداخلية أو حالات الطوارئ أو غيرها من الظروف الاستثنائية لا يمكن استخدامها مبرراً للتعذيب. كما لا يمكن الاحتجاج بأوامر صادرة عن مسؤول أعلى لتبرير هذه الممارسة.
وتأتي قضية الشاب محمد حسام الدين غميرة في مدينة الحفة بريف اللاذقية ضمن هذا السياق، بعدما نقل ناشطون عن عائلته، في 14 آب/أغسطس 2026، أن حالته الصحية تدهورت خلال فترة توقيفه، رغم إصابته المعلنة بمرض الناعور.
وقالت العائلة إن غميرة كان في حالة مستقرة وقادراً على الكلام قبل توقيفه، وإنه نُقل لاحقاً إلى المستشفى وهو يعاني نزيفاً في ساقه، قبل أن تتفاقم حالته ويُشخَّص، بحسب الأسرة، بنزيف دماغي. ولا تكفي رواية العائلة وحدها لإثبات تعرضه للتعذيب أو تحديد سبب تدهور حالته، ما يجعل نتائج الفحوص الطبية والتحقيق الرسمي ضرورية لتحديد المسؤوليات والملابسات.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية فتح تحقيق في ظروف توقيف غميرة، مؤكدة أن سلامة الموقوفين وحقوقهم وكرامتهم مصونة وفق القانون، وأن أي تجاوز يثبت وقوعه سيُتخذ بحقه الإجراء القانوني المناسب.
وتضع هذه الوقائع الجهات المعنية أمام مسؤولية توضيح ظروف الاحتجاز، وضمان حصول الموقوفين على الرعاية الطبية، والتحقيق في الشهادات والوفيات المبلغ عنها، وإعلان النتائج بشفافية، مع احترام قرينة البراءة وعدم إصدار أحكام مسبقة قبل اكتمال الإجراءات القانونية.
.
مصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى