هجوم غامض على “واتساب”.. سوريا ولبنان في دائرة الاستهداف

شهد تطبيق “واتساب” منذ مطلع آب/أغسطس موجتين متتاليتين من الاستهداف غير المعتاد، طالتا حسابات مستخدمين في عدد من الدول، بينها سوريا ولبنان، وسط سيل من طلبات وأكواد التحقق، وحالات تسجيل خروج إجباري، وصعوبات في استعادة الحسابات.

وبدأت الموجة الأولى في 8 آب/أغسطس، وارتبطت بمحاولات تعرف تقنياً باسم “Ghost Pairing” لإضافة أجهزة جديدة إلى الحسابات، قبل أن تظهر موجة ثانية اعتباراً من 14 آب/أغسطس، تركزت على إغراق مسار التحقق بطلبات متكررة.

واللافت أن عدداً من المستخدمين أكدوا أنهم لم يضغطوا على روابط مشبوهة أو يفتحوا ملفات مجهولة قبل تعرض حساباتهم للمشكلة، ما دفع إلى ترجيح وجود آلية آلية تستهدف مسار التحقق نفسه، وليس المستخدم بصورة مباشرة عبر الهندسة الاجتماعية التقليدية.

هجوم يشبه “حجب الخدمة” ولكن على الحساب

يمكن تشبيه النمط الجديد، من الناحية التفسيرية، بهجمات حجب الخدمة الموزعة “DDoS”، لكن على مستوى حساب المستخدم بدلاً من خوادم موقع إلكتروني.

ففي الهجمات التقليدية، تُرسل أعداد هائلة من الطلبات إلى خادم بهدف استنزاف موارده، بينما تقوم الآلية المرصودة هنا بإغراق رقم الهاتف والحساب بطلبات تسجيل وأكواد تفعيل متكررة، ما يؤدي إلى فرض قيود زمنية على طلب رموز جديدة وتعقيد عملية استرداد الحساب.

ولا يُعد مصطلحا “Account-Level Flooding” أو “User-Level DDoS” توصيفاً تقنياً رسمياً للهجوم، وإنما وسيلة لتفسير فكرته؛ إذ يبدو أن الهدف المباشر هو الضغط على مسار التحقق المرتبط بحساب معين.

وتشير سرعة الطلبات وتزامنها وتكرار النمط لدى عدد كبير من المستخدمين إلى احتمال استخدام بنية آلية واسعة النطاق، تضم سكريبتات وبوتات وأنظمة لإدارة العمليات، وربما طبقات لاتخاذ القرار الآلي.

منظومة آلية متعددة المراحل

يمكن للسكريبتات تنفيذ تعليمات متكررة وفق توقيت محدد، بينما تتولى البوتات تنفيذ العمليات بصورة آلية وعلى نطاق واسع. وعندما تُجمع هذه الأدوات ضمن نظام واحد لإدارة المهام، يصبح بالإمكان توزيع الأهداف وتشغيل عمليات متزامنة وإعادة المحاولات وتسجيل النتائج.

أما استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن مثل هذه المنظومات، فهو احتمال تقني يمكن أن يضيف طبقة لاتخاذ القرار، عبر تحليل النتائج وتحديد الحالات التي تحتاج إلى إجراء إضافي، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الأوامر نفسها بصورة آلية.

وفي بعض السيناريوهات المرصودة، يبدو أن الاستهداف قد يجري عبر أكثر من مسار في الوقت ذاته، يبدأ بإغراق طلبات التحقق، ثم يتطور في بعض الحالات إلى فقدان جلسة المستخدم أو تسجيل خروجه، بما يوحي بأن الأمر قد لا يكون مجرد إرسال عشوائي لأكواد التفعيل.

لماذا تصبح استعادة الحساب صعبة؟

بعد فقدان الجلسة، يدخل المستخدم في مرحلة أكثر حساسية، إذ قد تفرض المنظومة فترات انتظار قبل السماح بطلب رمز جديد عبر الرسائل النصية أو الاتصال الهاتفي.

وفي بعض الحالات، تحدث المستخدمون عن فترات انتظار طويلة، بينما ظهرت اختلافات في مسارات التحقق الصوتي لدى بعض الضحايا.

ولهذا، يُنصح عند حدوث الواقعة بتوثيق وقت محاولة الاتصال، وشركة الاتصالات، وطبيعة الرسالة الصوتية التي تظهر، من دون مشاركة رمز التحقق مع أي شخص.

“Strict Account Settings” في مواجهة الاستهداف

من الإجراءات التي يمكن للمستخدمين اللجوء إليها، عند توفرها في نسخة التطبيق، تفعيل إعدادات الحماية المشددة “Strict Account Settings”، والتي تجمع مجموعة من خيارات الخصوصية والأمان للحد من التفاعل مع جهات غير معروفة.

ويمكن الوصول إليها عبر:

WhatsApp > Settings > Privacy > Advanced > Strict Account Settings

وقد أبلغ بعض المستخدمين عن انخفاض في كثافة محاولات الاستهداف بعد تفعيل هذه الإعدادات، ما يجعلها خطوة احترازية مهمة عند ظهور مؤشرات غير طبيعية على الحساب.

ماذا تفعل عند وصول أكواد لم تطلبها؟

وصول رموز تحقق متتالية من دون أن يطلبها المستخدم يجب التعامل معه كإشارة تحذير، حتى لو ظل الحساب يعمل بصورة طبيعية.

وتشمل الخطوات الأساسية مراجعة قائمة الأجهزة المرتبطة بالحساب، وإزالة أي جهاز غير معروف، وتفعيل التحقق بخطوتين، ومراجعة البريد الإلكتروني ووسائل الاسترداد المرتبطة بالحساب.

وبعد استعادة الحساب، ينبغي إعادة فحص جميع الأجهزة والجلسات النشطة، والتأكد من عدم وجود أي جهاز مجهول.

أما مستخدمو “آيفون”، فمن المفيد أيضاً مراجعة حساب Apple وقائمة الأجهزة الموثوقة وتنبيهات تسجيل الدخول، وتغيير كلمة المرور في حال ظهور نشاط غير مألوف.

تحديث “واتساب بزنس” يفتح باب التساؤلات

تزامنت هذه التطورات مع صدور تحديث جديد لتطبيق “WhatsApp Business” على أجهزة “آيفون”، حمل الرقم 26.32.75، وفق المعلومات الواردة في صفحة التطبيق.

وجاء وصف التحديث بصياغة عامة تتحدث عن إصلاح الأخطاء وتحسين الأداء وتجربة الاستخدام، من دون كشف تفصيلي لطبيعة المشكلات التي جرى إصلاحها.

ولا توجد، استناداً إلى هذه المعلومات وحدها، أدلة كافية لإثبات ارتباط التحديث مباشرة بموجة الاستهداف، لكن التزامن الزمني يجعل تفاصيل الإصلاحات محل اهتمام، خصوصاً ما يتعلق بأنظمة التسجيل والتحقق وإدارة الجلسات والأجهزة المرتبطة.

وتبقى الأسئلة الأهم معلقة: من يقف خلف هذه العمليات؟ ولماذا ظهرت سوريا ولبنان ضمن الدول المتضررة؟ وهل نحن أمام حملة عشوائية واسعة، أم استهداف منظم لحسابات محددة؟

حتى الآن، لا تقدم المعطيات المتاحة إجابة حاسمة، لكن طبيعة الهجمات وتكرارها وسرعة تنفيذها تشير إلى أن التعامل معها باعتبارها مجرد “إزعاج” قد يكون تقليلاً من خطورتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى