
مجلس مدينة حمص تحت ضغط الفشل الخدمي : أحياء غارقة في الركام وعقود بلا شفافية
مجلس مدينة حمص... إدارة بالمسكّنات ومدينة تدفع ثمن العجز
تكشف الوقائع الميدانية وتصريحات صادرة عن مسؤولين في مجلس مدينة حمص اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والخدمات المنفذة، وسط تراكم ملفات النظافة والحدائق والركام والهدم والاستثمارات، وغياب بيانات مالية وخدمية تتيح للسكان قياس أداء المجلس أو معرفة مصير الوعود المعلنة.
ورغم تغير السلطة وتبدل رئاسة المجلس، استمر جزء من الجهاز الإداري والمديرين والموظفين الذين عملوا في المؤسسة البلدية خلال عهد بشار الأسد، من دون أن ينشر المجلس نتائج تقييم شامل لأدائهم أو يوضح من حوسب عن الإخفاقات المتراكمة. ويثير هذا الاستمرار انتقادات بشأن جدية الإصلاح، إذ يصعب الحديث عن إدارة جديدة فيما تبقى البنية الإدارية القديمة وآليات العمل نفسها بلا مراجعة معلنة، وتستمر المشكلات التي عجزت تلك الإدارة عن معالجتها سنوات طويلة.
……………………………………………….
ويصف بعض السكان مدينتهم بأنها منقسمة خدمياً إلى وجهين يسمونهما “حمص وHoms”: مركز أكثر حظاً بأعمال التأهيل والاستثمار، وأحياء مدمرة ما تزال تنتظر أساسيات الحياة.
وفي دير بعلبة، يضطر بعض السكان إلى الخروج من منازلهم بحثاً عن تغطية للهاتف، في وقت تعمل فيه ورش على تمديد كبلات ضوئية في أحياء أخرى، مثل الغوطة. وتكشف المقارنة تفاوتاً صارخاً في مستوى الخدمات، وإن كانت الاتصالات من اختصاص المؤسسة المشغلة وليست مسؤولية مجلس المدينة منفرداً.
وفي الخالدية والبياضة وكرم الزيتون ودير بعلبة وبابا عمرو وجورة الشياح، يشكو السكان من تراكم القمامة والركام، وتدلي كابلات كهربائية، وضعف المياه، وغياب خدمات أساسية. ولا تتبع المياه والكهرباء والاتصالات المجلس مباشرة، لكن استمرار هذا الواقع يضعه، مع المحافظة والمؤسسات المعنية، أمام مسؤولية التنسيق ووضع خطة معلنة لإعادة تأهيل الأحياء، بدلاً من إبقاء المواطن تائهاً بين الجهات.
وفي ملف النظافة، لم تعد المشكلة مجرد انطباعات أو شكاوى. فقد أقر مدير النظافة في المجلس عام 2024 بأن نقص الوقود وتعثر استجابة الآليات بعد ربطها بنظام التتبع الإلكتروني أدّيا إلى توقف نحو ثلاثة أرباعها مؤقتاً، وربط تراكم القمامة بنقص العمال والسائقين ومخصصات المحروقات. ورغم إعلان عقود وحملات لاحقة، لم ينشر المجلس مؤشرات منتظمة تبين زمن جمع النفايات في كل حي، وعدد الآليات العاملة، وحجم التأخر، ونتائج العقود.
أما الحدائق، فنُقل عن مديرها أن أكثر من 60 في المئة من حدائق حمص خرجت من الخدمة، وسط نقص حاد في العمال والآليات والوقود. وأعلن المجلس حملات تنظيف وتشجير محدودة وتجارب للفرز من المصدر، لكن هذه الإجراءات لم ترافقها بيانات تثبت إعادة الحدائق المتوقفة إلى الخدمة أو معالجة المشكلة على مستوى المدينة.
ويبرز ملف الاستثمارات بوصفه الأكثر خطورة. ففي كانون الثاني/يناير 2025، نُسب إلى رئيس المجلس آنذاك، مصعب السلومي، قوله إن دراسة استثمارات المجلس، ومنها الحدائق، أظهرت عدم تطابق بين الأوراق والواقع ووجود حالات وصفها بـ”التزوير والفساد”.
لكن المجلس لم ينشر الدراسة أو العقود والأسماء والمبالغ التي تناولتها، ولم يعلن نتيجة تحقيق أو إحالة رقابية أو قضائية. لذلك، لا يمكن اعتبار هذه الشبهات فساداً مثبتاً، لكنها تضع الإدارة البلدية أمام سؤال لا يحتمل المراوغة: أين انتهى الملف الذي تحدث عنه رئيس المجلس نفسه؟

وسبق لمسؤولين في المجلس الإقرار بضعف متابعة تحصيل رسوم الإشغالات خلال سنوات الأزمة، بينما لا تتوافر للناس قطع حساب مدققة تكشف الإيرادات الفعلية والمتأخرات والخسائر المحتملة. كما لم تنشر غالبية ملفات الاستثمار بكامل وثائقها، بما يشمل القيمة التقديرية، وعدد المتنافسين، ومحاضر فتح العروض، والعقود النهائية، والجزاءات المطبقة على المستثمرين.
وظهر هذا النقص في الإفصاح مجدداً مع تطبيق نظام المواقف المأجورة عام 2026. فقد اعترض تجار وسائقون على العبء المالي وتوقيت التنفيذ وضعف وضوح المعلومات. وبعد اتساع الجدل، أعلن المجلس أن الاستثمار يشمل 2395 موقفاً، ونشر اسم المستثمر والتسعيرة وبعض التزامات التشغيل. لكنه لم ينشر العقد كاملاً أو محاضر المزايدة وتقارير متابعة التنفيذ. ولا يثبت ذلك وجود مخالفة، لكنه يثبت أن المعلومات الأساسية وصلت إلى الجمهور بعد بدء التطبيق والاعتراض عليه، لا قبله.
وفي التنظيم العمراني، أعلن المجلس هدم 429 بناء بصورة كلية أو جزئية حتى آب/أغسطس 2024 بوصفها آيلة للسقوط، ثم أعلن في 2025 إزالة 240 مخالفة وتشميع 60 أخرى قابلة للتسوية. وفي المقابل، برزت اعتراضات على هدم أبنية في القصور والميماس، ثم على عمليات الإزالة في منطقة المزرعة عام 2026.
وقال المجلس إن أبنية المزرعة مخالفة ومقامة على أرض مستملكة للدولة، وإن أصحابها تلقوا إنذارات، بينما نقلت تقارير عن سكان قولهم إن بعض المنازل مسجل عقارياً. ولا تحسم المصادر المتاحة قانونية الحالات الفردية، لأن المجلس لم يضع أمام الرأي العام ملفات الكشف الهندسي والإنذارات وسندات تخصيص الأرض وقرارات الإزالة وطرق الاعتراض. وفي ملف يمس المساكن وحقوق الملكية، لا تكفي البيانات العامة لتبديد الشكوك.

ويضاف إلى ذلك ضغط السكن الذي يعرقل عودة النازحين. إذ يشكو عائدون من أن ارتفاع إيجارات المنازل والمحال جعل العودة إلى حمص شديدة الصعوبة، ولا سيما لمن يحتاج إلى استئجار منزل ومحل في الوقت نفسه. ويستمر إغلاق عدد من المحال وركود أسواق رئيسية في وسط المدينة، وسط غياب حلول فعالة تعيد النشاط الاقتصادي إلى قلب حمص.
كما يبدي عائدون مخاوف من إطلاق النار العشوائي وانتشار السلاح بعد حوادث رصاص طائش. وهذا ملف يقع أساساً على عاتق الجهات الأمنية، لكنه يزيد صعوبة العودة ويؤكد أن إعادة الحياة إلى الأحياء المدمرة لا تتحقق بحملة نظافة أو إصلاح رصيف وحدهما، بل بخطة مشتركة تشمل الخدمات والسكن والأمن والاقتصاد المحلي.
وعلى مستوى الإدارة الرقمية، أعلن المجلس قناة واتساب للشكاوى، وتنظيم مراكز الخدمة، وتبسيط بعض المعاملات، ودوراً إلكترونياً لترخيص الدراجات. إلا أنه لم ينشر أرقاماً دورية عن عدد الشكاوى، ونسبة معالجتها، ومتوسط زمن الإنجاز، والأعطال، ورضا المواطنين. وبذلك بقيت الرقمنة في حدود خدمات جزئية، لا نظاماً شفافاً يسمح للمواطن بتتبع معاملته ومحاسبة الجهة المقصرة.

ولا تظهر المصادر العلنية المتاحة حكماً قضائياً أو قراراً رقابياً نهائياً يثبت فساداً بحق مجلس مدينة حمص أو موظف محدد فيه. لكنها تثبت قصوراً خدمياً أقر به مسؤولون، وشبهات استثمار لم يعلن مصيرها، وعقوداً لم تنشر وثائقها كاملة، ونزاعات هدم لم تعرض ملفاتها على الجمهور، وفجوة كبيرة بين الأحياء. كما لا تظهر للعلن نتائج مراجعة إدارية تحدد مسؤولية المديرين والموظفين الذين استمروا من المرحلة السابقة، أو تفسر أسباب بقائهم رغم الإخفاقات الخدمية التي شهدتها المدينة.
وبعد سنوات من الوعود، يواجه مجلس مدينة حمص مطالب واضحة: فتح ملف الجهاز الإداري من رأس الهرم، وإجراء تقييم مهني ومالي معلن للمديرين والكوادر، ومحاسبة من يثبت تقصيره أو تورطه، وضخ كفاءات جديدة بدلاً من إعادة إنتاج الإدارة السابقة. كما تشمل المطالب نشر الموازنة وقطع الحساب، وكشف عقود الاستثمار ومحاضر المزايدات، وإعلان نتيجة دراسة “التزوير والفساد”، وإتاحة سجلات الشكاوى ومؤشرات الخدمات، ووضع برنامج زمني لإزالة الركام وإعادة تأهيل الأحياء والأسواق. فاستمرار الوجوه والآليات والحملات المتفرقة، من دون مراجعة أو خطة قابلة للقياس، يبقي المدينة تحت إدارة المسكّنات، ويؤجل العلاج الحقيقي مرة أخرى.
مرهف مينو – مصدر




يرجى مشاعدة