كواليس ما قبل وبعد اتفاق الشرع-عبدي.. وانهياره

مجدداً، يتعثر تطبيق الاتفاق الذي يتم التوصل إليه بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). يتبادل الطرفان الاتهامات بتعطيل الاتفاق أو نقضه، وهو ما حصل مساء أمس الاثنين، بعد اجتماع دام لساعات بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي. الاتفاق الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية، تركية، وكردستان العراق، وينص على دخول القوات الحكومية السورية إلى شمال شرق سوريا، خصوصاً محافظات الرقة، دير الزور والحسكة. كان الشرع ومنذ أشهر قد عمل على تحضير الأرضية لخوض المعركة. وعمل على أكثر من خط. 

أولاً، دخل في مسار التفاوض مع “قسد” لتطبيق اتفاق 10 آذار. 

ثانياً، بدأ حملة التضييق العسكري على “قسد” في الأشرفية الشيخ مقصود في حلب. 

ثالثاً، عمل على التواصل مع العشائر العربية السورية واستقبل عدداً من وجهائها تحضيراً لانقلابها على قوات “قسد” عندما يحين الوقت. 

رابعاً، عمل الشرع على توفير كل الظروف الإقليمية والدولية لخوض المعركة ومحاولة فرض شروطه. وكلما كان يحقق تقدماً في مسار العلاقة مع الأميركيين وفي تطويق خيارات “قسد” الراديكالية، كانت تخرج جهات من “قسد” والذين تتهمهم دمشق بأنهم محسوبون على حزب العمال الكردستاني، لتنفيذ عمليات ضد الحكومة السورية. 

مع بداية السنة الجديدة، بدا واضحاً أن “قسد” لن تذهب إلى تطبيق اتفاق 10 آذار، لأسباب عديدة أبرزها:

1 التمسك بالمطالبة بعدم دخول القوات الحكومية السورية إلى شمال شرق سوريا. 

2 الإصرار على انخراط “قسد” ككتل عسكرية كبيرة في الجيش السوري.

3 ان تبقى القوات الكردية هي التي تسيطر على المحافظات الثلاث (الرقة، دير الزور، الحسكة) حصراً. 

4 إصرار “قسد” على الاحتفاظ بحصة كبيرة من منتجات النفط السورية. 

الشرع في إدلب

كل هذه الشروط رفضتها دمشق، ومضى أحمد الشرع في التحضير للعملية العسكرية، حتى أنه في الأسبوع الاول من العام الجديد كان قد زار إدلب ومكث فيها لمدة أسبوع، تحضيراً للمعركة العسكرية التي سيطلقها. عندما كان الشرع في إدلب، كان يتم تسريب أخبار بأن اختفاءه لمدة ستة أيام حصل بسبب تعرضه لمحاولة اغتيال. لكنه عملياً كان يضع الخطة العسكرية للعملية، والتي ركز فيها على شنّ عملية في حلب، ومنها تنطلق القوات باتجاه الرقة للسيطرة على مدينة الطبقة، في المقابل، تتحرك العشائر العربية في دير الزور للسيطرة على المحافظة وإخراج قسد منها. 

في موازاة خوض المعركة العسكرية واعتماد أسلوب القضم، كان الشرع قد وفر الغطاء اللازم لعمليته مع المبعوث الأميركي توم باراك، ومع تركيا التي كانت أكثر المتحمسين لخوض هذه العملية العسكرية وإنهاء حالة قوات سوريا الديمقراطية. على وقع المعارك، تجددت المفاوضات التي أفضت يوم الأحد 18 كانون الثاني/يناير 2026، إلى اتفاق يقضي بدخول القوات السورية إلى شمال شرق سوريا، ودمج “قسد” بالجيش كأفراد لا ككتل. 

انهيار الاتفاق

كانت بعض مراكز القوى في قوات سوريا الديمقراطية، رافضة للاتفاق وتضعه في خانة الهزيمة التي لا يمكنها الموافقة عليها. وبينما وصل مظلوم عبدي إلى دمشق لتوقيع الاتفاق، كانت المناوشات مستمرة في الرقة والحسكة، وفُتحت فيها معركة “سجون داعش” وإطلاق سراح المساجين فيها. اتهمت دمشق “قسد” باستخدام هذه الورقة، بينما اتهمت القوات الكردية القوات الحكومية السورية بالعمل على مهاجمة السجون لإطلاق سراح الدواعش. كان ذلك مؤشراً على أن الاتفاق لن يطبق أو لن يستمر. ساعات قليلة حتى خرجت التسريبات التي تشير إلى أن الاجتماع لم يكن إيجابياً. 

وجهت القوى الكردية اتهامات لباراك بأنه متآمر مع الشرع، كما وجهت الاتهامات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان. في المقابل، فإن دمشق تتهم “قسد” بأنها تتراجع عن الاتفاق، وأن عبدي يبدو مرة جديدة أنه غير قادر على الالتزام بالاتفاقات وتطبيقها. وأصرت دمشق على ضرورة تسليم القوى الكردية بمنطق الدولة السورية والانضواء ضمن مؤسساتها، والاندماج في الجيش ولكن ليس كفرق عسكرية مستقلة،.

أصرت “قسد” على رفض دخول القوات السورية إلى المناطق الكردية. بينما تصرّ دمشق على ضرورة سيطرة قواتها على كامل الأراضي السورية وأنها لا تقبل بأن يكون هناك مساحة غير خاضعة لها ولسيطرتها. اعتبر مظلوم عبدي أن الاتفاق المعروض عليه هو فرض الاستسلام وأنه يجب حفظ خصوصية الأكراد، وطالب بمهلة خمسة أيام للتشاور مع القيادات الكردية الأخرى، إلا أن الشرع رفض منح أي مهلة. 

السيناريوهات المتوقعة

في حال تطورت الأمور نحو معركة عسكرية، في ضوء الدعوات من قبل قوات “قسد” لحمل السلاح وخوض معارك مقاومة شعبية، فإن الشرع سيسعى إلى سيطرة قواته على جبل عبد العزيز سريعاً، وبذلك سيكون سيطرة على النقطة الاستراتيجية الأهم، وبذلك تنتهي المعركة بالمعنى العسكري، والتي من الممكن أن تتحول إلى حرب شوارع ومناوشات. 

وبحسب المعلومات فإن الشرع كان قد توافق مع رئيس إقليم كردستان-العراق مسعود بارازاني، على ضرورة دعم موقف مظلوم عبدي الذي وافق على اتفاق 10 آذار، ومن ثم على اتفاق 18 كانون الثاني الجاري، بينما الأجنحة الأكثر تطرفاً في قوات سوريا الديمقراطية ترفض أي اتفاق، وتعمل على معارضته ووصلت إلى حد الدعوة لخوض معارك شعبية ضد الحكومة السورية. يمكن للمعركة بحال استمرت أن تؤدي الى انفجار الأوضاع، وانفلاتها من عقالها، وسط مخاوف من تكرار ما حصل في الساحل أو السويداء، خصوصاً بحال أخذت الاشتباكات طابعاً فصائلياً وشملت المناطق والأحياء السكنية. وهذا ما دفع جهات عديدة إلى السعي لمنع انفجار الأوضاع. 

في السياق، جاء الاتصال الهاتفي بين الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يوضع في سياق حصول الشرع على غطاء أميركي للمضي قدماً في عمليته العسكرية أو السياسية. بينما كان هناك آراء داخل الإدارة الأميركية تدعو إلى الضغط على الشرع أكثر ومنع من ضرب الأكراد، ومن بين هؤلاء نائب الرئيس جي دي فانس. إلا أن بعض المعلومات تفيد بأنه خلال اتصال الشرع بترامب كان دي فانس موجوداً، كما أن باراك قد واكب الاتصال. وهو ما لا ينفصل عن اتصالات الشرع بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو اتصاله بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

هذه الاتصالات بدت وكأنها تجتمع على عنوان واحد وهو انهاء الحالة العسكرية في سوريا والالتزام بوحدة سوريا ومؤسساتها، ما يعني أن الشرع سعى لتأمين المظلة اللازمة لتحقيق ما يريده لقطع الطريق على أي مشروع لكيان ذاتي، أو للفيدرالية أو التقسيم. وهذا ما يريد الشرع أن يستثمره في مناطق سورية أخرى، خصوصاً في الساحل وفي الجنوب مع السويداء. وهو ما لا يمكن فصله عن السياق الإسرائيلي وموقف تل أبيب من هذه التطورات. 

جاءت المعارك ضد “قسد” بعد تجدد المفاوضات مع إسرائيل في باريس. وهنا لا بد من التذكير بأن الشرع ولدى لقائه ترامب طلب منه المساعدة لتحقيق ثلاثة أهداف:

الأول، رفع العقوبات عن سوريا وإلغاء قانون قيصر.

الثاني، دعم سوريا في الحفاظ على وحدة أراضيها ومنع قيام كيان كردي مستقل ودمج قوات قسد في الجيش السوري ومؤسسات الدولة. 

الثالث، تراجع إسرائيل إلى خط فض الاشتباك عام 1974، أي التراجع عن الأراضي التي احتلتها بعد 8 كانون الأول 2024.

عملياً، تحقق الهدف الاول، أما الثاني فلا تزال واشنطن تدعمه وهو اندماج “قسد” بالدولة السورية مع الحفاظ على وحدة سوريا ومنع تقسيمها، وهو ما ورد في بيان الاتصال بين ترامب والشرع. وبغض النظر عن الاشتباكات والتعثر، إلا أنه سيكون الخيار الأوحد.

أما الهدف الثالث فيبقى المشكلة الأساسية، وسط معلومات تشير إلى ضغوط أميركية على إسرائيل للانسحاب من بعض النقاط في سوريا. وفي السياق سربت وسائل إعلام اسرائيلية عن زيادة الضغوط الأميركية ومناقشات داخلية اسرائيلية حول الانسحاب من بعض النقاط، إلا ان الجيش الاسرائيلي أوصى بعدم الانسحاب.

ذلك سيقود الى استكمال المفاوضات السورية-الإسرائيلية لأجل التفاهم على كيفية ترتيب الوضع في جنوب سوريا، وتثبيت المناطق الخالية من السلاح، أو الاتفاق على طرف ضامن للوضع في الجنوب السوري وعلى الأرجح أن يكون هذا الطرف هو الجانب الأميركي. 

.

.

منير الربيع – المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى