“أطفال الرقة.. مأساة الاحتجاز والتجنيد القسري في سجون قسد”
"تحرير 126 طفلاً بعد سنوات من الانتهاكات.. وتفاصيل فضائح تجنيد القاصرات وتضليل الرأي العام"
شهدت الأيام القليلة الماضية تطورات متسارعة في شمال شرقي سوريا، حيث ألقت قضية الأطفال المحتجزين في سجون (قسد)، (PKK)، بظلالها على المشهد الإعلامي والحقوقي العالمي.
تزامنًا مع تحرير 126 طفلاً قاصراً من سجن الأقطان في الرقة، انتشرت صور وفيديوهات صادمة على وسائل التواصل الاجتماعي، كاشفةً عن حجم المأساة الإنسانية ومعاناة هؤلاء الأطفال، ومجددة الجدل حول ملف تجنيد الأطفال والقاصرات في صفوف هذه الميليشيات.
يستعرض هذا التقرير المعلومات المتوفرة حول عملية تحرير الأطفال، وردود الفعل المحلية والدولية، ويسلط الضوء على الأبعاد المختلفة لظاهرة تجنيد الأطفال، بما في ذلك استهداف القاصرات من الطائفة العلوية، واستراتيجيات التضليل الإعلامي التي تهدف إلى تزييف الحقائق.
………………………
تحرير الأطفال من سجن الأقطان في الرقة
في 24 يناير 2026، أعلنت السلطات السورية إطلاق سراح 126 طفلاً قاصراً، جميعهم دون سن 18 عاماً، من سجن الأقطان في مدينة الرقة، وذلك بعد تسلمها للسجن من قوات قسد بموجب اتفاق وُقّع مؤخراً .
وقد أظهرت مقاطع الفيديو التي بثتها وكالة الأنباء السورية (سانا) ووسائل إعلام أخرى، مشاهد مؤثرة للأطفال المحررين، حيث بدت عليهم علامات الصدمة والخوف، وظهر بعضهم يرتدي ملابس خفيفة لا تتناسب مع درجات الحرارة المنخفضة .
وقد كشفت الحالات الموثقة عن فظاعة الانتهاكات، ومنها حالة طفل يبلغ من العمر 15 عاماً حُكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات في سجون قسد. وقد أثارت هذه المشاهد صدمة واسعة، حيث قارنها كثيرون بمأساة سجن صيدنايا، وطالبوا بتحقيق دولي عاجل في جرائم قسد.
وقد علّق وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، على المشهد بقوله:“هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد معتقلين، بل أبناء وبنات سُرقت منهم لحظات طفولتهم، وكان يُفترض أن يكونوا في المدارس والملاعب لا خلف جدران السجون” .
كما وصف مستشار الرئاسة للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، احتجاز قسد للقاصرين بأنه “فضيحة مكتملة الأركان”، مؤكداً أن هذه “العصابات تتشدق بالحداثة والعلمانية والقانون”، متسائلاً: “بأي ذنب تُختطف وتسجن براءة الأطفال؟!” .
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
تجنيد الأطفال والقاصرات: سياسة ممنهجة وتضليل إعلامي
تُعد قضية تجنيد الأطفال من قبل قسد و YPG ليست بجديدة، حيث وثقت العديد من المنظمات الحقوقية هذه الممارسة على مدى السنوات الماضية.
ففي عام 2018، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً مفصلاً يفيد بأن وحدات حماية الشعب (YPG) كانت تجند أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 13 و 17 عاماً من مخيمات النازحين، وأحياناً دون علم أو موافقة أهاليهم . ومؤخراً، كشف تقرير صحفي ألماني عن تجنيد قسد للقاصرات، ووثق حالة فتاة قناصة تبلغ من العمر 17 عاماً،
وأخرى تم تجنيدها في عمر 11 عاماً. وأشار التقرير إلى الارتباط الوثيق بين قسد وحزب العمال الكردستاني (PKK)، ومحاولات قسد الضغط على المؤسسة الإعلامية الألمانية لحذف التقرير .
تتضمن أساليب التجنيد التي تتبعها قسد خطف الأطفال من أمام المدارس والمنازل، ونقلهم إلى معسكرات مغلقة، حيث يتم عزلهم تماماً عن عائلاتهم ومجتمعهم، وتجنيدهم قسرياً تحت غطاء “المقاومة الشعبية”.
………………………
إغراء القاصرات العلويات والتضليل الإعلامي
برزت في الآونة الأخيرة قضية استهداف القاصرات من الطائفة العلوية في مناطق الساحل السوري. وتشير التقارير إلى أن شبكات إجرامية منظمة، بالتعاون مع ميليشيات قسد، تقوم باستدراج الفتيات العلويات من خلال إغرائهن بالمال وعرض وظائف عليهن في مناطق سيطرة قسد مثل كوباني . وبمجرد وصولهن، يتم وضعهن في معسكرات تدريب وتجنيدهن قسراً.
في المقابل، يتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل هذه الشبكات لبث أخبار كاذبة، حيث يُنشر أن جهاز الأمن العام هو من قام باختطاف هؤلاء الفتيات، بهدف اتهام الحكومة السورية وتضليل الرأي العام.
وبعد فترة، تظهر الفتيات في فيديوهات يعترفن فيها بأنهن جُندن كمقاتلات أو تزوجن سراً هرباً من أهلهن، مما يكشف عن سياسة ممنهجة للتضليل الإعلامي تهدف إلى تبرئة قسد من جريمة التجنيد القسري. وقد تم فضح بعض هذه الادعاءات، مثل حالة الفتاة العلوية إيفرا الصالح التي زُعم أنها اختُطفت، لتظهر لاحقاً صورها كمجندة في صفوف قسد، مما يكشف عن ازدواجية في الخطاب الإعلامي وتوظيف سياسي لهذه القضايا .
استراتيجيات التضليل وبث المظلومية المزيفة
تعتمد الميليشيات الكردية على استراتيجيات إعلامية مكثفة لخداع الرأي العام العالمي وبث “مظلومية مزيفة” تهدف إلى كسب التعاطف الدولي. وتتضمن هذه الاستراتيجيات تضخيم حالات الاختفاء التي تطال بعض المكونات، مقابل تجاهل تجنيد الأطفال قسرياً، في محاولة لتسييس الخوف وتعميق الانقسام المجتمعي.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التضليل حادثة “قص الضفيرة” التي انتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد تم تداول مقطع فيديو يظهر مسلحاً يتباهى بضفيرة شعر مقطوعة، مدعياً أنها تعود لمقاتلة كردية قتلها، مما أثار موجة غضب وتضامن واسعة النطاق، ودفع بنساء كرديات وعربيات إلى إطلاق حملة “الضفيرة” كفعل احتجاجي. إلا أنه تبين لاحقاً أن هذه الحادثة كانت كذبة دعائية، حيث لم يتم تقديم أي دليل موثوق يثبت صحة الادعاء، بل تم استخدامها كأداة لتعبئة الرأي العام وبث مظلومية زائفة.
أما فيما يتعلق بالمقاتلات الكرديات في صفوف وحدات حماية المرأة (YPJ)، فهن يشكلن جزءاً أساسياً من الهيكل العسكري لقسد. ورغم الصورة التي يتم تسويقها عنهن كـ”محررات للمرأة”، إلا أن التقارير تشير إلى تورطهن في انتهاكات وجرائم حرب، بما في ذلك تجنيد القاصرات. أما عن أزواجهن في أوروبا، فلا تتوفر معلومات كافية وموثقة حول هذا الموضوع، ويتطلب المزيد من البحث والتقصي
إن قضية الأطفال في سجون قسد وتجنيدهم القسري تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وحقوق الطفل. وتكشف الصور والفيديوهات الصادمة القادمة من الرقة عن الوجه الحقيقي لهذه الميليشيات، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية الأطفال في مناطق النزاع. إنهاء هذه الممارسات ومحاسبة المسؤولين عنها هو مطلب إنساني وحقوقي لا يمكن التهاون فيه.
.
.
علي فجر المحمد – مصدر



