
سوريا بعد المجرم بشار : عودة ناقصة أم موقع جديد؟… مرهف مينو
من الخطأ طرح سؤال عودة سوريا إلى الإقليم وكأنه مسألة دبلوماسية تقنية أو نتاج عدد الزيارات والبيانات المشتركة.
فالمشكلة السورية لم تكن يوماً غياب علاقات، بل فقدان وظيفة الدولة نفسها داخل الإقليم.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد سقوط نظام الأسد ليس: هل خرجت سوريا من العزلة؟ بل: أي نوع من الدول تحاول سوريا أن تكون؟
ما حدث خلال العام الأول بعد سقوط النظام يشير إلى تحوّل واضح في السلوك السياسي الخارجي، لايؤلها لتغيير موقعها .
لم تعد دولة مواجهة، و لم تصبح دولة توازن.
هي أقرب إلى كيان يسعى إلى تخفيف الخسائر أكثر من سعيه إلى بناء نفوذ.
اللافت أن الرئيس الشرع يتصرف بوعي لحقيقة ميزان القوى.
لم يرفع شعارات كبرى، ولم يعد بدور قيادي، بل اعتمد سياسة خفض التوتر والانفتاح الانتقائي.
هذا السلوك قد يبدو إيجابياً، لكنه في جوهره يعكس حالة ضعف بنيوي أكثر مما يعكس مشروعاً استراتيجياً متكاملاً.
فالدول التي تصنع أدواراً لا تكتفي بتفادي الصدام، بل تحاول خلق مساحات تأثير.
المعضلة أن سوريا تحاول إعادة التموضع قبل أن تستعيد شكلها الداخلي.
فلا دولة واضحة المعالم حتى الآن، ولا عقد سياسي جامع، ولا مؤسسات مستقرة قادرة على تحويل السياسة الخارجية إلى سياسة دولة لا سياسة مرحلة. ولهذا، بقي الانفتاح الخارجي هشّاً، مرتبطاً بحسن النوايا أكثر من ارتباطه بضمانات سياسية وقانونية طويلة الأمد.
أما الحديث عن الانتقال من سياسة المحاور والتحالفات إلى سياسة التوازن، فيبدو سابقاً لأوانه.
فالتوازن لا يتحقق بالرغبة وحدها، بل بالقدرة. وسوريا، في وضعها الراهن، تفتقر إلى عناصر القوة الصلبة والناعمة التي تمكّنها من لعب هذا الدور. ما يحدث فعلياً هو تفادي الانخراط لا إدارة التوازن.
الأخطر أن بعض دوائر القرار الإقليمي لا تنظر إلى سوريا بوصفها شريكاً، بل بوصفها ملفاً. ملف أمن، ملف حدود، ملف لاجئين، ملف مخدرات. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن سوريا لم تستعد موقعها كفاعل، بل عادت كمسألة تحتاج إلى إدارة. الفاعلون الإقليميون هم من يضعون القواعد، فيما تحاول دمشق إثبات أنها ليست عبئاً إضافياً.
في هذا السياق، يصبح التركيز على الحدود مفهوماً، لكنه كاشف أيضاً. فالحدود تحولت من رمز سيادة إلى شرط قبول. أي أن سوريا مطالبة أولاً بإثبات قدرتها على الضبط قبل أن يُسمح لها بلعب أي دور أوسع. وهذه معادلة غير متكافئة، تُبقي سوريا في موقع المتلقي لا المبادر.
المفارقة أن الفرصة ما زالت قائمة. سقوط النظام القديم أزال عبئاً ثقيلاً عن السياسة الخارجية السورية، لكنه لم ينتج تلقائياً سياسة جديدة. ما لم يُحسم شكل الدولة في الداخل، سيبقى أي حضور خارجي مؤقتاً وقابلاً للانتكاس.
سوريا اليوم ليست على الهامش بالكامل، لكنها أيضاً ليست في القلب. هي في منطقة انتظار سياسية، تتوقف مآلاتها على ما إذا كانت المرحلة الانتقالية ستنتهي بدولة، أم ستبقى مرحلة بلا أفق. عندها فقط يمكن الحديث عن عودة حقيقية، لا مجرد خروج من العزلة.



