
ثقافة التملق وفنّ النفاق للرئيس … د. عوض السليمان
يشعرك الحديث مع كثير من العرب، بأنهم موكَّلون بمدح الرئيس والدفاع عنه، ورفعه إلى مراتب المعصومين. فالرئيس لا يخطئ، وهو المفدّى، وقمر الزمان، وسليل الأشراف، ومخلّص الأمة، وبطل الحرب والسلام أيضًا.
وقد عشتُ ذلك تفصيلاً أيام حافظ الأسد، حيث كان علينا أن نصفق له بوصفه المعلّم الأول، والطالب الأول، والقاضي الأول، والرياضي الأول، مع أنّه لم يكن، في حقيقة الأمر، إلا الجزار الأول.
في لحظة مفصلية من تاريخ سورية، وبعد التخلّص من النظام الدكتاتوري البغيض، علينا نحن الشعوب أن ندرك أنّ رئيس الجمهورية موظف عام، أوكلَ إليه الشعب مهامَّ محددة، كإدارة شؤون الناس، ورفع المستوى الاقتصادي للمواطنين، وحماية حقوقهم، ونشر العدل بينهم، والدفاع عن البلاد. وعلينا أن نقدّره كما نقدر بقية الموظفين، كالوزير، والمهندس، والخباز، وسائق السيارة.
أمّا حديثُ: «اكتب اسم رئيسك فوق قميصك»، و«بالدم بالروح نفديك»، فلا يعكس حقيقة الانتماء، بل يرسّخ ثقافة النفاق والتملّق، وهي ثقافة ينبغي أن يرفضها الرئيس نفسه.
التعبير عن مخالفة رأيٍ للرئيس أو التعليق على قراراته، يمثّل عينًا ساهرةً تحرسه، ومن الواجب أن يفرح بها ويحافظ عليها، لا أن يقرّب المادحين المنتفعين، فأولئك هم الحُجُب بينه وبين الحقيقة.
الرئيس في موقعه، وكل موظف في موقعه، وكلٌّ يخطئ ويصيب، ونتفق معه في مسائل ونختلف معه في أخرى، ولا أحد فوق النقد والمساءلة.
ثقافة التملّق تحاول أن تجعل مساءلة الرئيس محرّمة، والاعتراض عليه مخاطرة، ويطالبنا المطبلون بأن ننظم الأشعار في حبّه، وأن نتفنّن في إسباغ الألقاب عليه، وكأنّ الولاء الشخصي شرط للمواطنة، وكأنّ حبّه أعلى من حب الوطن نفسه.
في الدول التي تحترم نفسها، لا يُسأل المواطن إن كان يحب رئيس بلاده، بل إن كان يؤيّد سياساته أو يعارضها. وقد يوافقه اليوم ويخالفه غدًا، من دون أن يتحوّل الأمر إلى قضية ولاء أو خيانة.
نحن اليوم في مرحلة تأسيسية لا بد فيها من سؤال جوهري: من يُحاسب الرئيس؟ فتعطّلُ مجلس الشعب، وغياب أدوات الرقابة لا يعني تعليق مبدأ المساءلة، بل يقتضي تعزيز بدائلها، وفي مقدّمتها الإعلام الحر والرأي العام الواعي. لكنّنا نرى العكس: فالتصفيق حاد، والخطاب الإعلامي للتبرير فقط.
يهاجمك المتملّقون لأنك رفضت ما جرى في افتتاح صالة الفيحاء، رغم معارضته لثقافة السوريين، ويغضبون لأنك لم تهتم بمشاهدة الرئيس وهو يلعب كرة السلة أو يركب الخيل.
هذا النفاق البغيض يخلق فراغًا في المحاسبة، ويثير تساؤلات مشروعة: لماذا يكون الرئيس وحكومته خارج دائرة المساءلة؟ ولماذا يسارع المنتفعون وبعض وسائل الإعلام إلى تقديم التبريرات وتجاهل الأخطاء؟
حتى عندما تتعلّق القضايا بالسيادة، أو بالقرارات الحسّاسة، أو بالتعيينات الكبرى، أو بطريقة التعامل مع إسرائيل، يُدفَع النقاش إلى منطقة المحرّمات، وكأنّ مجرّد السؤال خروج عن الصف، لدرجة أنّنا نتعرّض للانتقاد عندما نتحدث عن موقف الحكومة السورية من التوغلات الإسرائيلية العدوانية والمهينة. وكأنّه ليس من حقنا أن نفهم ونناقش ونقيّم جدوى تلك القرارات.
يُقال إنّ الرئيس لا يعلم بهذه الممارسات، أو لا يرضى بها، لكنّ هذا الادعاء يضعه أمام احتمالين كلاهما مقلق: فإمّا أنّه غير مطّلع وغير متابع لواقع مجتمعه، وإمّا أنّه يتغاضى عن ثقافة التملّق التي تتفشّى في محيطه. وفي الحالتين تغيب ثقافة احترام الاختلاف وتعزيز المساءلة.
ولا تكمن المشكلة في القرارات نفسها، بل في غياب مناقشتها. وعلى الرئيس، بوصفه مسؤولًا عن قيادة البلاد، أن يكون على أعلى قدر من الشفافية. أمّا تحويله إلى شخصية لا تُسأل، فيخلق فراغًا في بنية الدولة، لا تملؤه الشعارات ولا حملات التصفيق.
المساءلة لا تُضعف سورية، بل تقوّيها، وهي تفتح الطريق لتحسين الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أمّا الخوف من النقد فلا ينتج الاستقرار، بقدر ما يفضي إلى تعميق الأزمات، وانعدام الثقة بالرئيس نفسه، ثم الخوف منه.
لا أعتقد أنّه يمكن الحديث عن التقدم دون التخلّص من ثقافة النفاق والتملّق، ومن المؤكد أنّه لا يمكن لأي سلطة أن تكتسب شرعية حقيقية ما لم تقبل بأن تُسأل وتُحاسب. ويبقى السؤال حاضرًا، بلا تردد: إذا لم نحاسب الرئيس، فمن نحاسب إذًا؟
بالتزامن مع جريدة أحوال – دمشق



